أخبار عاجلة

صحة

نظام الحمية النباتي: فوائد صحية وبيئية
30-05-2020 | 10:13

من نظام غذائي غني بالدهون واللحوم الحيوانية ومنتجات الألبان والملح والسكر الخام، قرر عديدون الانتقال إلى نظام آخر يقتصر فقط على ما تنبت الأرض من دون تدخلات صناعية، مع الالتزام بنظام غذائي صارم يطلق عليه Plant based diet أو النظام الغذائي النباتي. 


تشكل المنتجات النباتية في هذا النظام الغذائي مصدراً لمختلف المكونات الغذائية. فثمرة البطاطا، تقدم حصة النشويات، فيما تقدم البقوليات بأنواعها حصة البروتين، بينما تكفي الفاكهة والخضروات الورقية في حصة المعادن والفيتامينات، إلى جانب بعض الدهون النباتية غير المُصنعة كثمار الأفوكادو والمكسرات. 


يعمل النظام النباتي بالتحديد، على إيجاد بدائل نباتية طبيعية لأي عناصر غذائية يحتاجها الجسم، بحيث يمكّن متّبعيه من الاستغناء التام عن عبوات الأطعمة المحفوظة والدهون المُصنعة والحيوانية، بما يضمن الحفاظ على الصحة والوقاية من أمراض القلب والكوليسترول والجلطات، بحسبما يزعم مؤيدوه. 


وعلى الرغم من اتفاق  متبعي النظام كافة على قواعده، إلا أن دوافعهم تتباين ما بين الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه البيئة وعالم الحيوان والرغبة في خفض الوزن وتحسين الوضع الصحي العام. نستعرض في هذا التقرير تجارب مجموعة من متبعي النظام النباتي الكامل، كما نستكشف رأي الخبراء والمتخصصين حول الأثر الصحي للنظام النباتي. 


من أجل غابات الأمازون  


يمكن بسهولة تمييز منشورات الشابة الأردنية المقيمة في دولة الإمارات نادية الخطيب، في أحد مجموعات النظام النباتي بموقع فيسبوك، فهي تشارك دائمًا بصور ما تعدُّ من أطباق نباتية، غنية بالألوان والعناصر الغذائية المتباينة، ما يجعلك تظن أن سبب اتباعها النظام النباتي هو براعتها في الطهو. إلا أن الأمر ليس كذلك، فقبل ثلاث سنوات، لم تكن الشابة تقاطعت تماماً مع فكرة تناول منتجات نباتية حصراً، إلى أن قابلت سيدة في إحدى العيادات عن طريق الصدفة، حدثتها عن هذا النظام، وعن سلوكيات الإنسان التي تهدد استقرار النظام البيئي، كحرائق غابات الأمازون وغيرها. 


لم تتوقف نادية عند حاجز الاستماع، بل قامت ببحث خاص حول استهلاك الإنسان للحوم، وشاهدت عددًا من الأفلام الوثائقية، لتتخذ قرارها على الرغم من تحذير الطبيب من أن النظام الغذائي الجديدسيؤثر سلبًا على قوة عضلاتها وعظامها، ويُسبب لها المعاناة، لكنها بدأت النظام في كل الأحوال. 

تقول ناديا: "لم أتأثر بحديثه، ربما لأن دافعي كان أخلاقيًا أكثر منه صحيًا، لكنني شخص مُحب للقراءة وقمت بالبحث كثيرًا قبل اتخاذ القرار، احترمت رأي الطبيب، لكن القرار في النهاية يعود إلي".  


منذ تلك اللحظة، اتسمت رحلة ناديا بكثرة الاكتشافات، التي بدأت بالتعرف على نكهات جديدة لم تتخيل  أن تجربها يومًا، مرورًا بتعلم الطهو، الذي اكتشفت أنه يشبه كثيرًا اللوحة المليئة بالألوان، وصولًا إلى تكوين شغف بقراءة الأبحاث العلمية والطبية والتعلم عن جسم الإنسان وتفاعله مع الأنظمة الصحية.  


"سرعان ما بدأت بملاحظة أثر اتباع النظام الغذائي الجديد على حالتي الصحية"، قالت ناديا لـ"الشرق". وأضافت: "تراجع معدل نوبات الربو لدي، حتى إني تمكنت من التخلي عن البخاخ بشكل كامل، كما أن الوعكات الصحية المرتبطة بالتهاب المرارة تراجعت أيضًا، ولم أعد أزور المشفى بشكل دوري". 


وتابعت: "قراري بتغيير نظامي الغذائي، كان أفضل قرار اتخذته بحياتي، لأنه فتح لي بابًا على المعرفة وعلى الصحة الجسدية، وأولًا وقبل كل شيء، بت أشعر بأني أقوم بحماية الكوكب وما فيه من مخلوقات". على الرغم من ذلك، تؤكد ناديا أن اتباع النظام وابتكار وجبات نباتية ملائمة، "ليس سهلًا دائمًا"، لكنها تعترف بأنه "ممتع، لذا تتعمد مشاركة ما تبتكره من وجبات على مدونتها النباتية ومع  المجموعات الخاصة بالنظام، "ليستفيد الآخرون من الوصفات وتعم المعرفة".  


من جهته، يقول الشاب المصري محمد نبيل، إنه لاحظ الآثار الناتجة عن تحوله إلى النظام النباتي بسرعة، على الرغم من أنه ما يزال حديث العهد به. يكشف محمد لـ"الشرق" أن حياته لم تعد تتضمن أياً من الوجبات السريعة، فالوجبات كافة تحضر منزليًا، بمواصفات خاصة، كما أنه تمكن بعد محاولات عدة، من الاستغناء التام عن ملح الطعام، وترك عادة التنقل بين صفوف السوبر ماركت، ليقصد المحلات التقليدية (العطارين)، بحثاً عن احتياجاته من الحبوب والبقول. 


يعترف محمد نبيل بأن تجربته لم تخل من المصاعب والعقبات، ذلك أن بعض الخضروات والأغذية التي يحتاجها في نظامه "غير المتوفرة محلياً، أو يقتصر بيعها على أسواق بعيدة من مكان سكنه. ويضيف: "لا أجد مثلا حليب جوز الهند والصويا واللوز في متاجر البقالة الاعتيادية، وكذا التوفو وثمار الأفوكادو، لذا ألجأ لخيارات منزلية بديلة عن بعض المنتجات". 


ولا يخفي محمد أنه يواجه انتقادات من الأسرة والأصدقاء، الذين يعتبرون أن نمطه الغذائي غير مألوف، يقول: "على سبيل المثال، تحذرني والدتي دوماً من الإصابة بالأنيميا نتيجة الامتناع عن تناول اللحوم الحمراء. بينما يتهكم الأصدقاء أحياناً على نظامي النباتي، ويدعونني إلى تناول أطعمة اعتيادية"، لكن الشاب يُرد تلك الانتقادات إلى "الخلفية الثقافية للأفراد". 


 منذ ثلاث سنوات، بدأت الشابة السورية فريدة، اتباع نظام حمية نباتية، بعد اطلاعها على تقرير على صفحات "فيسبوك"، حول طريقة عيش الحيوانات في الحظائر، وقيامها بقراءة الكثير عن النظام الغذائي النباتي. 


وعلى الرغم من تحذير طبيبها من مخاطر تغيير نظامها الغذائي، تحسنت حال الشابة الصحية بعد اتباع النظام النباتي، وفق ما تروي لـ"الشرق"، مؤكدة أن معدل السكري انخفض لديها، وأصبحت تشعر بنشاط أكبر ما دفعها للاستمرار.  


على مدار سنوات من اتباع النظام النباتي، عانت الشابة أحياناً نقصاً في الحديد، لكنها تُرجع الأمر لعدم التزامها شخصياً بإعداد طعام متوازن، إذ كانت تحت ضغط الدراسة تلجأ إلى وجبات قوامها النشويات فقط كالبطاطا المقلية، إلا أن الوضع تحسن كما تقول، عندما عادت لتناول وجبات متوازنة.  

  

 إحدى العقبات الأخرى التي واجهتها فريدة، تجلت في صعوبة الحصول على وجبات نباتية في القرية التي تقيم  فيها، حيث تعتمد الوجبات عادةً على الألبان واللحوم على حد قولها، "ما دفعني إلى اللجوء لوجبات بسيطة كسلطة الخضروات، ثم بعض الفيتامينات، في حال شعرت أن وجبتي غير متكاملة على النحو المثالي". 


وعلى رغم التزامها النظام النباتي، تفتقد فريدة أحيانًا  تناول الجبن المصنع من حليب الحيواني، تقول: "أشعر أيضا بشيء من الغربة في أوقات الاجتماعات العائلية، أو عندما أحل ضيفة على بعض الأصدقاء، حين يبذل المُضيفون جهداً إضافياً لمعرفة الأطعمة المباح لي تناولها، وكيفية طهوها، الأمر الذي يُشعرني وكأنني عبء أحياناً". 


بعد تفشي فيروس ك"ورونا" وتداعياته، بات من الصعب على فريدة الحصول على المنتجات الغذائية النباتية التي اعتادتها، ما أدى إلى خرقها النظام لبضعة أيام، "لم تكن النتيجة جيدة، عانيت صعوبات في الهضم وآلام في المعدة نتيجة تناول أطعمة غنية باللاكتوز، الأمر الذي جعلني أتمسك بالنظام أكثر مما مضى، وتجنب خرقه في المستقبل".  



يقول استشاري التغذية العلاجية وعلاج السمنة والنحافة، الدكتور محمد خيري، إن الحمية النباتية تعتبر نظاماً غذائياً مثالياً، يسهم في تقليل المخاطر الصحية الشائعة لدى متبعيه، إلا أنه "غير مُقر علمياً"، ولا يمكن اعتباره أسلوباً علاجياً، إذ يندرج وفق إدارة الغذاء والدواء الأميركية أسفل قائمة الـ "Fad Diets"، أي أنه لم يخضع للقدر الكافي من الاختبارات والأبحاث، لإقراره كأسلوب علاجي.  


على الرغم من ذلك، يؤكد استشاري التغذية، أن هناك فوائد صحية عدة، قد يجنيها الأفراد من اتباع هذا النظام، كانخفاض مستوى الكوليسترول في الدم، ما قد يسهم في تحسين حالات بعض مرضى القلب، إضافة إلى مرضى النقرس ومرضى حصوات الكلى. 

  

في الوقت ذاته، يشترط الدكتور خيري، ألا يعتمد الأفراد على المصادر الإلكترونية والاجتهادات الشخصية لاتباع النظام، داعياً إلى "الالتزام بإشراف طبيب متخصص، يتمكن من مراعاة التاريخ الصحي للأشخاص". الأمر ذاته يوصي باتباعه من قبل مرضى السكر، مع ضرورة تنسيق البرنامج الغذائي مع الجرعات الدوائية بواسطة طبيبي التغذية والغدد الصماء، سواء في حالة نوع السكري الأول أو الثاني. 


وفي ما يتعلق بتفاصيل النظام النباتي، يرى خيري أنه يمكن تناول البقوليات والبروتينات النباتية مع النشويات، للحصول على بعض الأحماض الأمينية الهامة عوضاً عن اللحوم الحمراء. لكنه يشير إلى أن بعض المعادن وخاصة الزنك لا يتم تعويضها في هذه الحال، وبالتالي ينصح بتناولها عن طريق الأقراص الدوائية. 


كما ينصح بعدم الانقطاع نهائياً عن تناول الملح والسكر، بل يرى ضرورة انتقاء مصدر المادة، فيوصي بسكر الفاكهة كبديل من سكر المائدة، والملح قليل الصوديوم والغني باليود، مع مراعاة عدم الإفراط في تناول أي منهما، لتجنب حدوث مضاعفات، كارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين أو الإصابة بداء السكري والقصور الكلوي.