أخبار عاجلة

مقالة

حتى آخر طلقة
23-01-2024 | 08:54

تستمر قرقعة السلاح في المنطقة. منها ما هو متعلق بحرب غزة، وبعضها مرتبط بالأجندة الإيرانية من باب المندب والبحر الأحمر مرورًا بميليشيا الحشد في العراق كما سوريا وصولاً إلى جنوب لبنان.


ينشغل العالم بالتطورات العسكرية ومآسيها ومجازرها بحق المدنيين وبحجمها التدميري غير المسبوق للمدن والقرى والبنية التحتية. ويبتعد المجتمع الدولي ـ المتغافل والمتراخي ـ عن الطروحات السياسية أو الحلول العملية التي قد تقود إلى وضع أوزار للحرب وتنهيها. فغياب الحلول السياسية دليل على عجز مجلس الأمن ولشلل نظام السلام العالمي وعدم استقراره وقلة ثباته.


بينما ما تطرحه القوى المتصارعة في المنطقة لا يجد سبيلا للتحقيق، إما لصعوبة القبول به، أو لعوامل خارجية مفروضة فرضا على بعض فرقائه.


تطرح إسرائيل مشاريع حلولها التي لن تقوى لا "حماس" ولا السلطة في الضفة على قبولها والسير بها. في المقابل تعجز طهران وحلفاؤها عن طرح حلول بسبب ميزان القوى العسكري والجيوسياسي الفعلي فتستمر بشعار "رمي إسرائيل بالبحر" وشعار "تحرير القدس بواسطة الكفاح المسلح" وإقناع جمهورها بشعار "تدمير إسرائيل بسبع دقائق ونصف" والتبجح بانتصارات وهمية لم تقد إلا إلى خراب ومآس تطال الشعب الفلسطيني وتزيد من نكباته.


بكل بساطة طرح وزير دفاع العدو يواف غالانت "سيطرة رباعية على القطاع تضم إسرائيل وعائلات محلية مؤلفة من عشائر القطاع، وقوة مصرية معها قوة أممية من الخوذات الزرق". يعلم غالانت سلفا أن "حماس" لا يمكنها القبول بإنهاء دورها وسيطرتها على القطاع وزوال دويلتها التي سلختها من السلطة بقوة السلاح وزجت بحوالي ألف عنصر من فتح في سجونها. فضلا عن أن مقترح وزير دفاع العدو يسقط حكم "حماس" في القطاع ويزيل بلدياتها وإداراتها ووزاراتها وجيشها وجمعياتها وبناها المدنية، مما يكرس انتصار إسرائيل وهزيمة الحركة وانتهاء الحرب بفريق منتصر وبفريق مهزوم.


بالمقابل لم تطرح "حماس" سوى وقف نار دائم من دون أي أمر آخر لترفضه تل ابيب وتتعذر به.


من المعلوم أن رقصة التانغو تحتاج إلى اثنين، بيد أن تل ابيب تخطط للاستمرار بحرب طويلة لتحقق أهدافها الاستراتيجية وعلى رأسها السيطرة على قطاع غزة وتدجين الضفة الغربية وفرض حلولها المجحفة والقضاء على حل الدولتين، وتأمين مستوطناتها وكيبوزاتها وسكانها في غلاف غزة أو في الوسط.


تستفيد تل أبيب من مأزق "حماس" العاجزة عن قبول أي حل سياسي ينهي سلطتها. فتندفع الحركة لاستمرار القتال ولو على حساب الشعب الفلسطيني البطل الذي يصبر على النكبات الواحدة تلو الأخرى والذي يؤجل الحسبة إلى ما بعد انتهاء الحرب. وما يدفع "حماس" إلى الاستمرار في القتال أيضا هو حاجة إيران الى استمرار المعارك وهي التي تعلم أنه لا يمكن للحركة الانتصار في هذه الحرب الضروس الطاحنة الشديدة الخسائر التي أهلكت الشعب الفلسطيني.


غير أن طهران ـ العالمة بعدم القدرة على الانتصار في هذه الحرب وتطلب استمرارها على حساب أرواح المدنيين ـ تهدف لتعرية إسرائيل أمام الرأي العام الدولي الممتعض من تفاقم الخسائر البشرية كما شل الاقتصاد الإسرائيلي وإلهاء الجيش بالقطاع وبالضفة وبجنوب لبنان وبالجولان بعيدا عن عمليات استخباراتية وأمنية في الداخل الإيراني وطمعا بحرب استنزاف تجري مع وكلائها بدلا من القوات الإيرانية مباشرة.


تلتقي مصالح إيران مع حسابات "حماس" لإطالة الحرب من دون أي افق سياسي منتج ومفيد. بالمقابل تلجأ حكومة تل أبيب إلى إرضاء واشنطن بتخفيف القصف المكثف واستبداله بالعمليات الجراحية ضد مراكز "حماس" وأنفاقها وقادتها في القطاع وفي بيروت وربما في تركيا. فتجتمع المصالح على استمرار قرقعة السلاح واستمرار الأعمال العسكرية في الميدان.


تعتبر إيران أنه بتعذّر الانتصار بالميدان، فليكن الانتصار بالإعلام وبالبروغندا وبالمعايير المشوهة. لذا تزج ببعض وكلائها الإقليمين في أتون معارك وهمية مبعثرة "بجرعات خفيفة" تحت شعار "وحدة الساحات" من دون أي تأثير مباشر لهذه الجرعات على الحرب في القطاع. وللقول في الإعلام فقط أنها ساندت القضية الفلسطينية بينما تتنصل برسالة إلى مجلس الأمن من مسؤوليتها عن أي تنظيم مسلح عائد للحوثي او للحشد العراقي في كل من اليمن والعراق وسوريا.


لا تجرّ إيران نفسها إلى الحرب لكنها تسعى لإطالة أمد القتال لزيادة الضرر على إسرائيل والولايات المتحدة والملاحة الدولية في البحر الأحمر. يلاقي بعض قادة "حماس" إيران في مسعاها هذا وفي الاستمرار بإطالة أمد الحرب حتى آخر قذيفة وصاروخ وطلقة أمدتهم طهران بها.


وهنا يطرح السؤال: هل بادرت "حماس" لعملية طوفان الأقصى "للحرب من أجل الحرب" خدمة لأجندة إيرانية بحتة؟


بديع يونس | جسور