شهدت الأسواق المالية العالمية في الأيام الأخيرة من شهر كانون الثاني (يناير) 2026 واحدة من أعنف موجات الهبوط في تاريخ المعادن النفيسة، حيث فقد الذهب والفضة مكاسبهما القياسية في "جلسة ماراثونية" وصفها المحللون بأنها "يوم الحساب" للمستثمرين الذين اندفعوا وراء الارتفاعات الجنونية مطلع العام.
الذهب والفضة.. من القمة إلى الهاوية
بعد أن سجل الذهب مستويات تاريخية غير مسبوقة بتجاوزه حاجز 5595 دولاراً للأونصة يوم الخميس 29 يناير، هبط المعدن الأصفر بشكل حاد يوم الجمعة 30 يناير ليتداول دون مستوى 4800 دولار، مسجلاً تراجعاً يومياً هو الأكبر منذ سنوات بنسبة بلغت حوالي 10%.
لكن "الزلزال الحقيقي" ضرب سوق الفضة؛ فبعد أن لامست "المعدن الأبيض" مستويات قياسية عند 121 دولاراً للأونصة، هوت الأسعار بنسبة مذهلة تجاوزت 30% لتستقر عند حدود 74 إلى 82 دولاراً في غضون ساعات قليلة، فيما اعتُبر أكبر خسارة يومية مسجلة منذ عام 1982.
الأسباب الكامنة وراء "الانهيار الكبير"
أرجع خبراء المال هذا الهبوط الحاد إلى تضافر مجموعة من العوامل "الانفجارية":
* جني أرباح عدواني: بعد ارتفاع الذهب بنسبة 65% والفضة بنحو 148% خلال عام 2025 وبداية 2026، قرر كبار المستثمرين والصناديق السيادية تسييل أرباحهم بشكل مفاجئ.
* انتعاش الدولار الأمريكي: عاد مؤشر الدولار للصعود بقوة من مستوياته المتدنية، مما زاد من ضغوط البيع على المعادن المسعرة بالعملة الأمريكية.
* بيانات اقتصادية مفاجئة: صدور بيانات "مؤشر أسعار المنتجين" في الولايات المتحدة بشكل أفضل من المتوقع، مما عزز التكهنات بأن الفيدرالي الأمريكي قد يتبنى سياسة نقدية أكثر تشدداً (Hawkish) في المستقبل القريب.
* تصفية المراكز المزدحمة: شهدت بورصة "كومكس" عمليات تسييل قسرية للمراكز الشرائية (Long Positions) بعد كسر مستويات دعم فنية هامة (مثل حاجز الـ 5000 دولار للذهب والـ 100 دولار للفضة).
تداعيات السوق والبلاتين ليس بمعزل
لم يقتصر الأمر على الذهب والفضة، بل امتدت "العدوى" لتشمل بقية المعادن؛ حيث هبط البلاتين بنحو 19% ليصل إلى 2125 دولاراً، وتراجع البلاديوم بنسبة 15%.
> صرح "فيل ستريبل"، كبير استراتيجيي السوق في Blue Line Futures لبلومبرغ: "يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة النشوة القصوى ثم انفجرت الفقاعة. المستثمرون يسحبون سيولتهم من المعادن للعودة إلى أسهم التكنولوجيا التي بدأت تظهر جاذبية مجدداً".
ماذا ينتظرنا في شباط؟
على الرغم من هذا الهبوط العنيف، لا يزال الذهب يحافظ على مكاسب إجمالية بنسبة 18% منذ بداية عام 2026. ويراقب المحللون الآن مستويات الدعم التالية عند 4600 دولار للذهب و 70 دولاراً للفضة. إذا فشلت هذه المستويات في الصمود، فقد نشهد رحلة هبوط أعمق في فبراير.