بعد الهجوم الأخير الذي شنّه النائب جبران باسيل على "حزب الله"، حضرت تلقائيًا تلك المقولة الإنكليزية الشهيرة: «لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة». مقولة تختصر بدقّة التحوّلات المفاجئة في الخطاب السياسي كلّما تبدّلت الحسابات.
فهذا الهجوم لا يمكن قراءته بمعزل عن الذاكرة القريبة، ولا عن مشاهد ومواقف شكّلت في وقتها عنوانًا صارخًا لتقديم المصلحة الشخصية على أي اعتبار آخر. ومن أبرز تلك المشاهد، ما قاله الرئيس ميشال عون صراحةً خلال أزمة تشكيل إحدى الحكومات، حين استُخدمت عضلات سلاح "حزب الله" لتعطيل الاستحقاق الدستوري: «لعيون صهر الجنرال… ما تتشكّل حكومة». شعار لم يأتِ من فراغ، بل عكس واقعًا سياسيًا–أمنيًا جرى فيه شلّ مؤسسات الدولة مرارًا دفاعًا عن طموحات شخصية، ولو على حساب الوطن ورفاهية المواطن.
وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل الخطاب الشهير للرئيس ميشال عون حين قال حرفيًا: «في أخطار في البلد… الفرس هاجمين… وأنا بحلّفكن، كل يوم تسمعوا كلمة ولاية الفقيه في لبنان، تسألوا: شو يعني ولاية الفقيه».
فهل بعد خطاب الشيخ نعيم قاسم، فهم الجنرال وصهره ما معنى ولاية الفقيه؟
علما أن هذا الكلام قيل في مرحلة كان فيها سلاح "حزب الله" هو الطريق الإلزامي لصعود سلّم السلطة، ولو على حساب الدولة والشعب. لذلك تحوّلت منابر التيار الوطني الحر وايتام النظام السوري آنذاك إلى أبواق دعائية هدفها طمأنة الشارع اللبناني، والتقليل من شأن التحذيرات المتعلّقة بولاية الفقيه والمشروع الإيراني، عبر تصويرها مجرّد شعارات تُستخدم للتخويف لا أكثر.
اليوم، يبدو أنّ المشهد تغيّر والخطاب تبدّل. النبرة ارتجفت، والحليف أصبح فجأة هدفًا للهجوم. لا لأنّ الحقيقة انكشفت، بل لأنّ المصلحة تغيّرت. وهذا يعيد إلى الأذهان تلك القصة الرمزية عن الانتهازية السياسية: يُروى أنّه في زمن الشيوعية، حصل يهودي روسي على تصريح لمغادرة الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين المحتلة، وكان يحمل بين أمتعته تمثالًا للينين. في مطار موسكو، سأله موظف الجمارك عنه، فأجابه أنّه تمثال القائد العظيم الذي أسّس الشيوعية وجلب الخير لروسيا، ويحمله معه للبركة، فسمح له بالمرور.
وفي مطار بن غوريون، سأله الموظف السؤال ذاته، فأجاب أنّه تمثال الطاغية المجرم الذي دمّر روسيا وأجبره على الهجرة من وطنه، ويحمله ليُري أولاده صورة من دمّر بلدهم، فسمح له بالدخول. وعندما سأله أحد أقاربه لاحقًا عن حقيقة التمثال، قال: «إنه عشرة كيلوغرامات من الذهب الخالص… هُرّبت من دون جمارك ولا ضرائب».
كذلك يفعل بعض السياسيين اليوم: يغيّرون أقوالهم بتغيّر مصالحهم. العبرة واحدة: عندما تُفرَّغ السياسة من القيم والأخلاق، تصبح المواقف مجرّد أدوات عبور. يُقال الشيء ونقيضه، لا دفاعًا عن وطن أو قناعة، بل خدمةً للحظة المناسبة. وما دام العشب وفيرًا، لا تميّز الغنم بين الراعي والذئب.
في هذا السياق، لا يعود السؤال: لماذا يهاجم جبران باسيل اليوم "حزب الله"؟
بل السؤال الأصدق والأخطر:
هل تغيّر الموقف فعلًا… أم تغيّرت فقط المصلحة؟
والجواب، لمن يريد أن يتذكّر، موجود في الأرشيف… لا في الخطابات الجديدة.
الدكتور سايد حرقص