في تاريخ الكنيسة المشرقية، تبرز وجوه روحية تركت بصمة لا تُمحى بمداد من التواضع والصمت. ومن بين هذه الوجوه، يلمع اسم الأب بشارة أبو مراد، الراهب المخلصي الذي بات اليوم قاب قوسين أو أدنى من لقب "طوباوي"، بعد أن كرس حياته ليكون "رسول المصالحة" في قلب دير المخلص وجبال لبنان.
من زحلة إلى صومعة القداسة
وُلد سليم أبو مراد (الأب بشارة لاحقاً) في مدينة زحلة عام 1853. ومنذ مقتبل شبابه، شعر بنداء عميق يدفعه نحو الحياة الرهبانية، فدخل "دير المخلص" العامر بالقرب من صيدا. هناك، لم يكن الأب بشارة مجرد راهب عادٍ، بل كان تجسيداً حياً للإنجيل في بساطته وزهده.
رسول الكرسي الخشبي
عُرف الأب بشارة بلقب "خادم الاعتراف". فقد كان يقضي جُلّ نهاره وليله في كرسي الاعتراف، يستمع إلى آلام الناس وخطاياهم، مانحاً إياهم الغفران والتعزية. ويروي المعاصرون له أنه كان يمتلك "موهبة قراءة القلوب"، حيث كان يرشد التائهين بكلمات قليلة لكنها كانت تلمس أعماق أرواحهم.
لم تقتصر رسالته على الجدران الصامتة للدير، بل جاب قرى صيدا وإقليم الخروب ودير القمر، ماشياً على قدميه، يفتقد الفقراء ويداوي جراح المحتاجين، حتى غدا "أيقونة حية" للمحبة التي لا تميز بين طائفة أو عرق.
المسيرة نحو التكريس الرسمي
رغم أن المؤمنين طوّبوه في قلوبهم منذ رحيله في 22 شباط 1930، إلا أن المسيرة الرسمية في الفاتيكان تأخذ مجراها الدقيق:
• 2010: عام التحول: أصدر البابا بندكتوس السادس عشر مرسوماً تاريخياً أعلن فيه الأب بشارة "مكرماً"، وهي الدرجة التي تؤكد أن هذا الراهب عاش الفضائل المسيحية (الإيمان، الرجاء، والمحبة) ببطولة واستحقاق.
• انتظار الأعجوبة: ملف التطويب اليوم ينتظر اعتراف الكنيسة بأعجوبة طبية جرت بشفاعته، لتتم إعلان تطويبه رسمياً في احتفال كنسي مهيب.
إرث يتجدد
اليوم، يُعتبر ضريح الأب بشارة في دير المخلص محجاً للزوار الذين يقصدونه طلباً للشفاء وراحة البال. إنه يمثل الوجه المشرق للرهبنة اللبنانية، ويذكرنا بأن القداسة ليست في العظمة الخارجية، بل في الأمانة لخدمة الإنسان والوقوف بجانب "المسحوقين".
يبقى الأب بشارة أبو مراد شعلة مضيئة في تاريخ الكنيسة الملكية الكاثوليكية، ومع اقتراب ذكرى غيابه، ترتفع الصلوات لكي يُرفع قريباً كطوباوي جديد على مذابح الوطن.