يعيش لبنان في فبراير 2026 فصلاً جديداً من فصول صراعه الطويل حول "حصرية السلاح". فبينما يعلن الجيش اللبناني نجاح المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، يبرز تساؤل جوهري في الصالونات السياسية والشارع اللبناني: إذا كان السلاح قد فقد وظيفته الهجومية أو الردعية الحاسمة أمام التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية المتفوقة، فلماذا الإصرار على الاحتفاظ به شمال الليطاني وفي العمق اللبناني؟
حصر السلاح: الدولة تتقدم بحذر
اتخذت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام، وبدعم من الرئيس جوزيف عون، خطوات غير مسبوقة منذ أغسطس 2025 لفرض سيادة الدولة. ورغم نجاح الجيش في بسط سيطرته العملياتية جنوباً، إلا أن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" شمال الليطاني اصطدم برفض قاطع من حزب الله، الذي اعتبر المهلة الحكومية البالغة أربعة أشهر "خطيئة كبرى" تخدم الأجندة الإسرائيلية.
لماذا التمسك بالسلاح رغم "عدم القدرة على الرد"؟
يرى مراقبون أن ذريعة "المقاومة" لم تعد وحدها كافية لتبرير وجود ترسانة خارج إطار الدولة، خاصة بعد حرب 2024 التي ألحقت دماراً هائلاً بالبنية التحتية للحزب. وتتعدد القراءات لهذا التمسك:
الغطاء العقائدي: يصر الحزب على أن سلاحه "مقدس" ومرتبط بعقيدة وجودية، محاولاً إخراجه من دائرة النقاش السياسي وتحويله إلى واجب لاهوتي.
انتظار التفاهمات الإقليمية: يسود اعتقاد بأن السلاح ورقة تفاوضية إيرانية بامتياز، تنتظر نتائج الحوار الأمريكي الإيراني في جنيف قبل أي تنازل محلي.
حماية المكتسبات الطائفية: يروج الحزب لمجتمعه أن السلاح هو الضامن الوحيد لتمثيلهم وحقوقهم، محذراً من أن نزعه يعني استباحة الطائفة.
شبح الحرب الأهلية: التهديد بالداخل للسيطرة على القرار
الجانب الأكثر خطورة في المشهد الحالي هو لجوء قيادات الحزب إلى التلويح بـ"الحرب الأهلية" كأداة ضغط سياسي. وقد صرح قادة بارزون في الحزب، منهم نعيم قاسم ومحمود قماطي، بأن أي محاولة لنزع السلاح بالقوة ستؤدي إلى "فوضى وعدم استقرار" وربما "نزاع داخلي لا يقبله أحد".
هذا التهديد الضمني يفسره خصوم الحزب بأنه محاولة واضحة لـ:
تعطيل المؤسسات: منع الحكومة من اتخاذ قرارات سيادية تمس بنية الحزب العسكرية.
فرض الهيمنة السياسية: استخدام فائض القوة لضمان بقاء الحزب كشريك مقرر في الحكومة والبرلمان، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة.
تخويف الداخل: وضع اللبنانيين أمام خيارين أحلاهما مر: "القبول بالسلاح غير الشرعي" أو "العودة إلى متاريس الحرب الأهلية".
بين السيادة والانهيار
يرى المفتي عبد اللطيف دريان وجهات سياسية واسعة أن "لا دولة بجيشين"، وأن تحالف السلاح والفساد هو ما يعيق نهوض لبنان. وفي حين تسعى واشنطن والمجتمع الدولي لاستغلال هذه اللحظة لإضعاف الحزب، يبقى لبنان "محاصراً" بين مطالب دولية بالنزع الشامل للسلاح، وواقع داخلي هش يخشى الانفجار عند أول احتكاك جدي بين الجيش والميليشيا.
ختاماً، يبدو أن جولة جنيف المقبلة (فبراير 2026) والانتخابات البرلمانية القادمة ستكونان المختبر الحقيقي: فهل يرضخ الحزب لضغط الدولة والواقع الميداني، أم سيظل لبنان رهينة سلاح يدافع عن بقاء الحزب السياسي أكثر مما يحمي حدود الوطن؟