أخبار عاجلة

مقالة

بيان يثير الجدل: هل ينقلب الجيش على منطق الدولة؟
07-03-2026 | 22:36

أثار البيان الصادر عن قيادة الجيش اللبناني بعد الاجتماع الاستثنائي الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة موجة واسعة من النقاش والتساؤلات. فبينما جاء البيان في سياق عرض التطورات الأمنية والعسكرية التي تمر بها البلاد في ظل التصعيد الإسرائيلي والظروف الإقليمية المعقدة، إلا أن بعض مضمونه فتح باباً مشروعاً للجدل حول حدود الدور الذي يفترض بالمؤسسة العسكرية أن تمارسه في النظام السياسي اللبناني.


فالجيش في أي نظام ديمقراطي ليس جهة سياسية تطرح مقاربات أو حلولاً للأزمات الوطنية، بل هو مؤسسة تنفيذية تنفّذ قرارات السلطة السياسية المنتخبة. هذا المبدأ ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو أحد الأسس الجوهرية التي تقوم عليها الدول الحديثة: السلطة المدنية تقرر، والمؤسسة العسكرية تنفّذ.


من هنا، فإن ما ورد في البيان من حديث عن أن “الحل ليس عسكرياً فقط” وأنه يحتاج إلى تكامل الجهود السياسية والرسمية، قد يُفهم لدى البعض على أنه دخول من المؤسسة العسكرية في مساحة النقاش السياسي، وهي مساحة يفترض أن تبقى حصراً بيد الحكومة والمؤسسات الدستورية المنتخبة.


لا أحد يجادل في الدور الوطني الذي يؤديه الجيش اللبناني، ولا في حجم الضغوط الهائلة التي يتحملها ضباطه وعناصره في ظل إمكانات محدودة وواقع أمني معقد. كما أن الجيش يبقى المؤسسة التي يعوّل عليها اللبنانيون لحماية الاستقرار الداخلي وصون وحدة البلاد. لكن في المقابل، فإن الحفاظ على مكانة هذه المؤسسة يتطلب أيضاً وضوحاً كاملاً في حدود أدوارها الدستورية.


لبنان ليس دولة عسكرية، ولم يكن يوماً كذلك. وهو، رغم كل أزماته، يقوم على نظام مدني يفترض أن تبقى فيه الكلمة الأخيرة للسلطة السياسية المنتخبة. وفي مثل هذا النظام، لا يمكن للمؤسسة العسكرية أن تتحول إلى طرف يطرح رؤى للحل أو يحدد مسارات العمل السياسي، مهما كانت الظروف صعبة.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة هو ضبابية العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية. فحين تختلط الأدوار، تتعرض الدولة نفسها للاهتزاز. ولهذا السبب تحديداً حرصت الأنظمة الديمقراطية عبر التاريخ على تكريس مبدأ خضوع الجيش الكامل للقرار السياسي.


السؤال الذي يطرحه البعض اليوم ليس اتهاماً للمؤسسة العسكرية ولا تشكيكاً في وطنيتها، بل هو سؤال مشروع في دولة يفترض أنها تحكمها المؤسسات: هل كان بيان القيادة مجرد توصيف للواقع، أم أنه يعكس توجهاً يتجاوز الدور التنفيذي للجيش؟


مهما تكن الإجابة، فإن المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان تفرض وضوحاً كاملاً في الأدوار. الحكومة تقرر السياسات وتتحمل مسؤوليتها أمام الشعب، والجيش ينفذ هذه السياسات ويحمي الدولة ومؤسساتها. هذا التوازن هو الضمانة الأساسية لبقاء لبنان دولة مدنية، لا دولة تحكمها البيانات العسكرية.


Transparency news