أخبار عاجلة

مقالة

انهيار النظام الإيرانيّ حتميّ… وهذه مؤشّراته
09-03-2026 | 07:54

بعيداً عن التمنّيات، تشير الوقائع والأدلّة إلى أنّها “الجولة الأخيرة” في المعركة الطويلة مع النظام الإيرانيّ، لا لأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قال ذلك، ولا لأنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو تمنّى ذلك ودفع باتّجاهه. المسألة أبعد من إعلانات وخطابات. إنّها واقع على الأرض يؤكّد استنتاجاً بات لدى نظام الملالي، وهو أنّه بصدد “السقوط”، وأنّ المسألة باتت “مسألة وقت”.


أحرق النظام الإيرانيّ الجسور مع الجيران والعالم، وفتح أوراقه المخبّأة للمعركة الأخيرة، وها هو يفقد ركائزه الأساسيّة. النظام الذي بنى نفوذه منذ عام 1979 على مزيج من الأيديولوجية والتوسّع عبر الميليشيات، يواجه اليوم واقعاً مختلفاً جذريّاً يتمثّل في عزلة سياسيّة متزايدة واستنزاف عسكريّ متراكم وتململ داخليّ خرج إلى العلن.


حرق الجسور


سياسيّاً، أحرق النظام الإيرانيّ جسوره مع محيطه الإقليميّ. تحوّلت العلاقة مع معظم الدول العربيّة إلى علاقة صراع أو عدم ثقة عميق بدأت بشبكة ميليشيات عابرة للحدود، في لبنان والعراق واليمن وسوريا، وانتهت اليوم بصواريخ بالستيّة باتّجاه دول الخليج العربيّ وجيرانه ذوي الحدود المشتركة، مثل تركيا وآذربيجان، والأبعدين مثل قبرص. ليس هناك نظام عاقل يتبع سياسة معاداة الجميع لو كان على يقين أنّه سيصمد لليوم التالي لهذه الحرب. السياسة التي كانت تُقدَّم على أنّها مصدر قوّة إقليميّة تحوّلت عمليّاً إلى عامل عزلة، وأصبحت إيران في نظر كثيرين قوّة تهدّد استقرار المنطقة والعالم بالسلاح النوويّ والصواريخ والأذرع.


أمّا على المستوى الدوليّ، فالمفارقة أنّ سياسات طهران لم تُحرج خصومها فقط، بل أضرّت بحلفائها أيضاً. روسيا والصين، اللتان تحاولان بناء نظام دوليّ أكثر استقراراً لمواجهة الغرب، تجد كلّ منهما نفسها مضطرّة إلى التعامل مع تداعيات مغامرات تزيد من التوتّرات العالميّة. تتضرّر الصين، التي تعتمد استراتيجيّاً على استقرار طرق التجارة والطاقة، من أيّ تصعيد يهدّد الملاحة أو يرفع مستوى المخاطر في الخليج والبحر الأحمر. تجد روسيا، التي تواجه أصلاً مواجهة مفتوحة مع الغرب، أنّ سياسات طهران تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع الدوليّ بدلاً من أن تخفّف منه.


النظام الإيرانيّ


بمعنى آخر، حتّى الدول التي تحافظ على علاقات مع إيران تفعل ذلك بحسابات براغماتيّة باردة، لا باعتبارها شريكاً استراتيجيّاً موثوقاً. الدليل أنّ أيّ دعم عسكريّ مباشر لم يُقدَّم من الصين أو روسيا، في وقت توصف العلاقة بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب بأنّها الفضلى بين أيّ رئيسين أميركيّ وروسيّ. على المقلب الصينيّ، يتهيّأ الرئيس الأميركيّ في هذا الشهر للقيام بزيارة لبكين لن تتجاوز فيها الأولويّة التي تحتلّها إيران مستقبل علاقة الصين التجاريّة والاستراتيجيّة بالولايات المتّحدة.


السّقوط العسكريّ


في أيّام قليلة فقط، انهارت الصورة التي حاول النظام الإيرانيّ رسمها عن نفسه كقوّة عسكريّة إقليميّة كبرى. كشفت المواجهة الأخيرة أنّ القدرات التي قُدِّمت لسنوات كعامل ردع استراتيجيّ بدت في الواقع أوهن بكثير ممّا رُوِّج له، وأظهرت النظام الإيرانيّ “أوهن من بيت العنكبوت”.


أشارت تقديرات عسكريّة غربيّة إلى أنّ إيران أطلقت خلال موجات التصعيد مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكنّ نسبة كبيرة منها جرى اعتراضها عبر منظومات الدفاع الجوّيّ المتكاملة في المنطقة مثل ArrowوPatriot وThaad وأنظمة الاعتراض الأخرى، وهو ما خفّض بشكل حادّ من تأثيرها العسكريّ الفعليّ.


سياسيّاً، أحرق النظام الإيرانيّ جسوره مع محيطه الإقليميّ. تحوّلت العلاقة مع معظم الدول العربيّة إلى علاقة صراع


الأهمّ أنّ الضربات المضادّة لم تستهدف الصواريخ فقط، بل منصّات الإطلاق نفسها، ضمن تكنولوجيا عسكريّة حدّت خلال يومين من فعاليّة الصواريخ بنسبة تتجاوز 80%. ورد في تقارير أمنيّة إقليميّة ودوليّة أنّ ضرب مواقع التخزين ومنصّات الإطلاق، إضافة إلى استهداف مراكز قيادة مرتبطة ببرنامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، أدّى إلى تراجع ملحوظ في وتيرة الإطلاق خلال أيّام قليلة. مع تكثيف الطلعات الجوّية والاستطلاع الإلكترونيّ، باتت الولايات المتّحدة وإسرائيل تمتلكان سيطرة شبه كاملة على المجال الجوّيّ ومسارات المراقبة فوق مساحات واسعة من مسرح العمليّات.


السّقوط الاستخباريّ


أمّا الصدمة الكبرى فكانت الاختراق الاستخباريّ العميق داخل إيران. استهدفت عمليّات دقيقة قادة ومواقع حسّاسة أظهرت أنّ المنظومة الأمنيّة للنظام مخترقة إلى حدّ كبير. لذلك لم يعد القلق مقتصراً على الجبهة الخارجيّة، بل امتدّ إلى الداخل، حتّى باتت القيادة الإيرانيّة تخشى على مراكز القرار العليا، وسط حديث متزايد عن إجراءات استثنائيّة لحماية القيادات واحتمالات استهداف أيّ ترتيبات مستقبليّة لخلافة المرشد. لكنّ من استهدف علي خامنئي لن يصعب عليه استهداف الخلف وخلفه، كما حصل في أسبوع واحد مع الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله وخليفته هاشم صفيّ الدين.


“زحف” القوميّات


عادت المسألة القوميّة داخل إيران إلى الواجهة. إيران دولة متعدّدة القوميّات تضمّ الفرس والأكراد والبلوش والعرب والآذريّين والتركمان وغيرهم، وقد شهدت بعض هذه المناطق خلال السنوات الماضية توتّرات وتحرّكات احتجاجيّة متزايدة. لكنّ ما يحصل حاليّاً مختلف، ولم يكن ليحدث لولا اقتراب “سقوط” نظام الملالي، إذ بدأت الأطراف القوميّة حول إيران تتحرّك بعدما لمست ضعف النظام عسكريّاً:


أشارت تقديرات عسكريّة غربيّة إلى أنّ إيران أطلقت خلال موجات التصعيد مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة


1- الأكراد: هم أخطر جبهة الآن، ويأتي التحرّك الأبرز من الأكراد في غرب إيران (يوجد نحو 8 ملايين كرديّ داخل إيران). في شباط 2026 تشكّل تحالف عسكريّ – سياسيّ يضمّ خمس حركات كرديّة مسلّحة مثل KDPI وPAK وPJAK وkomala، وتشير تقارير حديثة إلى تحرّك آلاف المقاتلين الأكراد قرب الحدود العراقيّة – الإيرانيّة لتنفيذ عمليّات داخل الأراضي الإيرانيّة، بعدما كانت تاريخيّاً تنفّذ هجمات ضدّ الحرس الثوريّ داخل كردستان إيران.


2- البلوش (جبهة الجنوب الشرقيّ): في إقليم سيستان – بلوشستان ظهرت أخيراً جبهة مقاتلين بلوش جديدة تأسّست عام 2025 بعد دمج عدّة ميليشيات انفصاليّة. شهدت هذه المنطقة أيضاً اعتقال مئات المتظاهرين البلوش في مدن مثل زاهدان وتشابهار بعد احتجاجات ضدّ النظام.


3- العرب (في الأحواز): في الجنوب الغربيّ توجد أقليّة عربيّة كبيرة في خوزستان (الأحواز)، وهذه المنطقة حسّاسة جدّاً لأنّها تحتوي على معظم نفط إيران.اعتادت السلطات نشر قوّات عسكريّة كبيرة هناك خوفاً من تحوّل الاحتجاجات إلى تمرّد مسلّح، لكن يبدو أنّ ما كانت تخشاه يوماً يقترب اليوم من التحقّق.


لماذا تتحرّك هذه القوميّات الآن؟


السبب بسيط: في لحظات ضعف السلطة المركزيّة تظهر الأطراف. أوجدت الضربات العسكريّة والضغط الدوليّ إحساساً لدى هذه القوميّات بأنّ الفرصة التاريخيّة دنت. وبالتالي، ليس أخطر ما يواجه النظام الإيرانيّ اليوم الحرب الخارجيّة فقط، بل احتمال أن يتحوّل تأثير القوميّات المجاورة إلى قنابل موقوتة داخله.


المعركة الوجوديّة الخاسرة


ما نشهده اليوم هو الجولة الأخيرة قبل السقوط النهائيّ للنظام الإيرانيّ، الذي رسب في اختباره الوجوديّ وفق المعطيات والأدلّة المشار إليها آنفاً. هذا النظام الذي استطاع طوال عقود أن يوسّع نفوذه مستفيداً من الفوضى الإقليميّة، يجد نفسه الآن في مواجهة بيئة إقليميّة ودوليّة مختلفة: أصبحت دول المنطقة أكثر تنسيقاً فيما بينها، ولم تعد القوى الكبرى مستعدّة للتعايش مع توسّع الميليشيات، ولم يعد الداخل الإيرانيّ يحتمل، فانفجر.


الأهمّ أنّ الضربات المضادّة لم تستهدف الصواريخ فقط، بل منصّات الإطلاق نفسها، ضمن تكنولوجيا عسكريّة


بات النظام الإيرانيّ مقتنعاً بسقوطه الحتميّ مهما طال أمد المعركة الأخيرة، وها هي اليوم دول عُرفت بحيادها العسكريّ ككندا مثلاً، أو بمحاباتها للنظام الإيرانيّ كفرنسا ودول أوروبيّة أخرى، تبحث عن الانضمام إلى المعركة لعلّها تأخذ حيّزاً من الاستثمارات المستقبليّة في إيران الجديدة، ولا تترك “قالب الجبنة” للأميركيّين والإسرائيليّين وحدهما. هل كانت تلك الدول لتبدي استعداداً للدخول في مغامرة عسكريّة لولا حتميّة السقوط؟


في مثل هذه اللحظات التاريخيّة، لا تكون الهزيمة بضربة واحدة حاسمة، بل نتيجة تراكم الضغوط السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والعزلة، إلى درجة يصبح معها المشروع نفسه غير قادر على الاستمرار بالشكل الذي بُني عليه. هذا بالضبط ما يبدو أنّ إيران تقترب منه اليوم.


بديع يونس | اساس ميديا