أخبار عاجلة

لبنان

هل يحق للثنائي نبيه بري - وليد جنبلاط وضع فيتو على المفاوضات مع إسرائيل؟
18-03-2026 | 19:27

مرة جديدة، يخرج الثنائي السياسي المتمثل بـ نبيه بري ووليد جنبلاط ليضع نفسه في موقع “الوصي” على القرار السيادي اللبناني، رافعًا لواء رفض التفاوض مع إسرائيل، ومترجمًا هذا الرفض عمليًا عبر الامتناع عن تسمية ممثلين للطائفتين الشيعية والدرزية ضمن أي وفد تفاوضي يعمل جوزيف عون على تأليفه. وكأن الدولة اللبنانية تحوّلت، مرة أخرى، إلى مجلس عشائري تُدار قراراته وفق توازنات الزعامات لا وفق نصوص الدستور.


المشكلة هنا ليست فقط في الموقف السياسي، بل في المنهج. فالدستور اللبناني واضح لا لبس فيه: رئيس الجمهورية هو من يتولى التفاوض باسم الدولة، وهو من يملك صلاحية تشكيل الوفود أو تفويض من يراه مناسبًا، سواء عبر الحكومة أو عبر وزارة الخارجية. وفي هذا الإطار، فإن يوسف رجي، إذا ما تم تكليفه، يمثل الدولة اللبنانية بكل مكوناتها، لا طائفة بعينها ولا زعامة سياسية محددة.


لكن ما يطرحه بري وجنبلاط يتجاوز النقاش الدستوري إلى محاولة إعادة تكريس عرف خطير: أن كل قرار سيادي يجب أن يمر عبر “موافقة الطوائف”، وأن لكل طائفة حق الفيتو على خيارات الدولة. هذا المنطق، إن تم تثبيته، يعني ببساطة شلّ الدولة بالكامل وتحويلها إلى كيان عاجز عن اتخاذ أي قرار مصيري.


السؤال الجوهري هنا: ما هو البديل الذي يقدمه هذا الثنائي؟ إذا كانت المفاوضات مرفوضة، فما هو المسار الواقعي للخروج من الأزمة التي يعيشها لبنان؟ هل المطلوب إبقاء البلاد رهينة الحرب المفتوحة؟ أم استمرار الانهيار الاقتصادي والسياسي بانتظار “توازنات إقليمية” قد لا تأتي؟


بدلاً من تقديم إجابات واضحة، يلجأ هذا الفريق إلى المزايدات الشعبوية، مستحضرًا شعارات القضية الفلسطينية ورافعًا عناوين كبرى فقدت معناها في ظل الاستخدام السياسي المتكرر لها. إنها اللغة نفسها التي استُخدمت لعقود لتبرير تعطيل الدولة، على حساب المواطن اللبناني الذي يدفع الثمن يوميًا.


التاريخ القريب يقدم أمثلة صارخة. ففي عام 1984، قُدّم إسقاط اتفاق 17 أيار 1983 على أنه “انتصار وطني”، لكنه في الواقع فتح الباب أمام تسليم لبنان للنظام السوري لعقود. وفي عام 2005، عندما كاد لبنان يستعيد سيادته بعد ثورة 14 آذار 2005، جاء “التحالف الرباعي” ليعيد إنتاج المنظومة نفسها ويُجهض فرصة التغيير. أما في 2019، فقد تم الالتفاف على ثورة 17 تشرين 2019، وإفراغها من مضمونها عبر إعادة تدوير السلطة ذاتها.


اليوم، يتكرر المشهد. نفس القوى، نفس الأدوات، ونفس الخطاب. رفض، تعطيل، وغياب كامل لأي بديل عملي. وكأن المطلوب هو إبقاء لبنان في حالة شلل دائم، حيث الدولة ضعيفة، والقرار موزع، والسلطة الفعلية بيد الزعامات التي تستخدم مؤسسات الدولة كأدوات خدماتية لشراء الولاءات وترسيخ نفوذها.


الأخطر من ذلك، أن هذا النهج لا يكتفي بتعطيل الدولة، بل يسعى أيضًا إلى إقصاء المعارضين داخل الطوائف نفسها. فمن يعارض هذه الزعامات يُعامل وكأنه خارج عن “الشرعية الطائفية”، فتُسقط عنه حقوقه السياسية والمدنية بشكل غير مباشر، في تكريس واضح لمنطق الإقطاع السياسي الحديث.


في المقابل، يطرح مسار التفاوض—بغض النظر عن نتائجه—خيارًا سياديًا مشروعًا، يهدف إلى إخراج لبنان من أزمته بدل إبقائه رهينة الصراعات. التفاوض ليس خيانة، بل أداة سياسية تستخدمها الدول لحماية مصالحها. ورفضه بالمطلق، دون تقديم بديل، ليس موقفًا مبدئيًا بل هروب من المسؤولية.


من هنا، يصبح المطلوب من رئيس الجمهورية أن يمارس صلاحياته الدستورية كاملة، دون الالتفات إلى محاولات التعطيل. عليه أن يقود مسار التفاوض انطلاقًا من موقع الدولة، لا من موقع التوازنات الطائفية، وأن يشكّل وفدًا يعكس المصلحة الوطنية لا مصالح الزعامات.


لبنان اليوم أمام خيار واضح: إما دولة تمتلك قرارها وتتحرك وفق مؤسساتها، أو كيان مشلول تحكمه الفيتوات المتبادلة. بين هذين الخيارين، لا مجال للرمادية. والتاريخ أثبت أن كل مرة انتصر فيها منطق التعطيل، دفع اللبنانيون الثمن انهيارًا وسيادةً مهدورة.


السؤال لم يعد إن كان يحق لبري وجنبلاط وضع فيتو، بل إن كان مسموحًا للدولة اللبنانية أن تستعيد قرارها، ولو لمرة واحدة.