يعيش لبنان لحظة مفصلية من تاريخه، حيث لم يعد ترف الوقت متاحًا للمراوغة أو تأجيل الاستحقاقات.
في الوقت الذي يقف فيه البلد على حافة انهيار شامل، واللبنانيون يدفعون ثمن سنوات طويلة من الارتهان لخيارات خارج الدولة، وكذلك تحويل أراضيهم إلى ساحة صراع لا يملكون قرارها.
من هنا، تبرز أهمية المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية اليوم في اتجاه المفاوضات الجدية، واستعادة القرار السيادي، وعلى رأس الأولويات مسألة نزع سلاح "حزب الله "وقطع أي ارتباط خارجي يجرّ البلاد إلى الحروب.
وفي السياق، فإن دعم جهود الدولة في هذا المسار ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وطنية. لانه لا يمكن بناء دولة فعلية في ظل وجود سلاح خارج إطارها، ولا يمكن الحديث عن سيادة بينما القرار الأمني والعسكري مرتهن لمحاور إقليمية. وقد أثبتت التجربة أن استمرار هذا الواقع لم يجلب للبنان سوى العزلة، والانهيار الاقتصادي، وتآكل مؤسسات الدولة.
أما بالنسبة لايران ، فلا يمكن إعفاؤها من المسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأوضاع. فالدعم الذي قدمته ل" حزب الله" سياسيًا وعسكريًا وماليًا، لم يكن يومًا في مصلحة لبنان كدولة، بل في خدمة مشروع إقليمي أوسع. هذا الدعم حوّل لبنان إلى منصة مواجهة، وأدخله في صراعات لا طاقة له عليها، وكانت نتيجتها حروب مدمرة، وخسائر بشرية جسيمة، ونزوح آلاف العائلات من بيوتها، فضلًا عن تدمير البنية التحتية وتعطيل الاقتصاد.
لقد آن الأوان لوضع حد لهذا المسار، فالمطلوب اليوم موقف لبناني واضح، وهو لا سلاح خارج الدولة، وان يكون قرار الحرب أو السلم عبر المؤسسات الشرعية، كما انه لا يمكن وضع علاقات لبنان في محور على حساب استقراره الداخلي وعلاقاته العربية والدولية. وإن أي محاولة لتبرير استمرار هذا الواقع تعني عمليًا القبول باستمرار الانهيار.
فالمفاوضات التي تقودها الدولة تمثل فرصة حقيقية لإعادة لبنان إلى مكانه الطبيعي كدولة مستقلة، لا كساحة نفوذ. وهي أيضًا اختبار لجدية القوى السياسية في تحمل مسؤولياتها التاريخية. فإما الانخراط في مشروع الدولة، أو الاستمرار في مشروع الدويلة، ومع ما يحمله ذلك من كلفة باهظة على الجميع.
اللبنانيون اليوم يريدون دولة تحميهم، لا مغامرات تدمّرهم. يريدون استقرارًا، لا حروبًا بالوكالة. يريدون اقتصادًا ينهض، لا بلدًا يُستنزف. ومن هنا، فإن دعم مسار نزع السلاح غير الشرعي، وقطع الارتباط بالمحاور الخارجية، ومحاسبة كل من ساهم في جرّ البلاد إلى هذا الواقع، هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من لبنان.