أخبار عاجلة

مقالة

عصا الفاتيكان.. والحربة المغروسة في لُبّ القيم!
14-04-2026 | 09:17

“القضية اللبنانية” أمام تجاذبين. والثالث لم يأتِ بعد.


لا يمكن لإيران أن تسيطر على لبنان مهما علا كعبها، ولا يمكن لـ”إسرائيل” أن تفعل، مهما عصف تدميرها.


أراد “حزب الله” أن يضحي بلبنان خدمةً لمآرب النظام في إيران، ففشل مشروعه رغم جسامة التضحيات.


وأرادت “إسرائيل” أن تستبيح لبنان لإشباع نهمها، ففشلت، وستفشل حكماً رغم تفوقها وتصعيد وتيرة اعتداءاتها.

إما أن تبقى الـ10452 كيلومتراً مربعاً بعهدة السيادة الوطنية، أو لا سيادة لأي كان، مهما اشتد جموح خيله ولمعت شفار سيوفه.


هناك خيار ثالث.


لقد نجحت الإدارة الأميركية – لغاية الآن – في حماية المطار والمرفأ والكهرباء والطاقة وسائر البنى التحتية من التدمير الإسرائيلي الممنهج. إنها قادرة على لجم مطامع بنيامين نتنياهو إن شاءت. فهل تشاء؟


لها كلمة الفصل راهناً، نظراً لتورطها العميق في مستنقعات الشرق الأوسط، لكن المستقبل له ملائكته، طبقاً لتقلبات الظروف والمستجدات.


وهناك ما يُبنى عليه.


أولاً: لقد أصبحت أميركا معزولة دولياً، وإن بنسب متفاوتة. لم يتمكن الرئيس دونالد ترامب من حشد دول الاتحاد الأوروبي وراءه لمساندته في الحرب على إيران. ولم يتمكن من أن “يمون” على حلف شمال الأطلسي “الناتو” ليسعفه، ولذلك قرّع قادة دوله وهدد بالانتقام.


وعندما قرر محاصرة إيران ووقف الملاحة في مضيق هرمز، لم يرَ اصطفافاً دولياً وراء بوارجه، بل اصطفافاً من نوع آخر. هناك تكتل دولي كبير ووازن ينظم صفوفه ضد قرار الحصار وتعطيل حركة الناقلات.


لا يقبل العالم حرباً اقتصادية يشعلها قرار أحادي الجانب. لا تستطيع الدول أن تتحمل مجاعة وركوداً اقتصادياً وأزمات اجتماعية ومعيشية مفتعلة لإشباع نهم رئيس مأخوذ بـ”جنون العظمة”. فالحركة الاقتصادية العالمية بحاجة ماسة إلى النفط، وتريد الطاقة لتشغيل مصانعها، وللحفاظ على السلم الأهلي والتوازن الاجتماعي–المعيشي، ولتلافي الخيارات الانتحارية.


ثانياً: إن الإدارة “الترامبية” قادرة – إن شاءت – على انتشال لبنان من المخالب الإيرانية والأنياب الإسرائيلية، وهي وحدها المتمكنة من توفير فرص جدية لإنجاح المفاوضات.


تعرف تماماً ما لدى الدولة اللبنانية من قدرات وإمكانات، وتعرف مدى نقاط الضعف التي حالت دون قيام الدولة القوية القادرة على استعادة قرار الحرب والسلم.


وتعرف أن “تقريص” العجين الإيراني وإطفاء النهم الإسرائيلي مسؤولية أكبر من لبنان، والتجارب الأخيرة خير دليل. لقد فتحت مسارات الحرب الطريق نحو إسلام آباد، لكن الذين اجتمعوا عادوا منها بخفي حنين!


بمقدور الإرادة “الترامبية” أن تفعل الكثير إن شاءت. لكنها إن لم تفعل، فهناك الخيار الثالث: الفاتيكان، ودول الاتحاد الأوروبي، ودول مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، والجمعية العامة للأمم المتحدة، وسائر الدول الشقيقة والصديقة التي تريد الحفاظ على لبنان بهويته الثقافية، وتعدديته، ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته.


وبقدر ما ينجح المسار التفاوضي يصبح الخيار الثالث مستبعداً، وبقدر ما يفشل، تتجه “القضية اللبنانية” نحو التدويل.


والمجتمع الدولي الذي تمرّد على إملاءات ترامب، ورفض الانصياع لأوامره والانزلاق في حروب عبثية ضد إيران، سيرفض الانصياع للمنهجية الإيرانية – الإسرائيلية المتكافلة على تدمير وطن الأقليات والعبث بمقدراته.


ليس من خيار أمام الولايات المتحدة سوى إنجاح مسار المفاوضات، ودعم الشرعية، وإنقاذ لبنان. وإن ترددت أو تقاعست، فالخيار الثالث واقع حتماً، والمجتمع الدولي لن يسمح بالانهيار والتفتيت، لأن تفتيت لبنان يعني تفتيت الشرق الأوسط، وإشعال كل البراكين الهامدة في المنطقة، ونشر الفوضى، ونكء الجراح التاريخية الدفينة، وإحياء صراع الثقافات والتعدديات والأقليات.


هذا لن يكون في مصلحة أحد، لأن قاعدة الاستثمار هي الاستقرار، ولا مصلحة للدول الكبرى، وفي طليعتها الولايات المتحدة، في شرب المياه من المستنقعات العكرة، بل من البحيرات الصافية الهانئة.


لقد نزع الفاتيكان قفازاته الحريرية وذهب مباشرة نحو المواجهة. وخرجت الأزمة الصامتة بين الكرسي الرسولي والإدارة “الترامبية” إلى العلن، وشنّ الرئيس ترامب هجوماً لاذعاً على البابا لاوون، الأميركي الأصل، واصفاً إياه بـ”الضعيف” في التعامل مع الجريمة و”السيئ” في السياسة الخارجية. وكان الرد صاعقاً، من عناوينه: “كفى عبادة للذات والمال. كفى عرضاً للقوة. كفى حرباً”.


لبنان في قلب الأزمة، وإن كان محورها يدور حول ملفات عدة انتهكت حرمتها السياسة الفوقية التسلطية التي يمارسها رئيس قادم من عالم المال والأعمال. فليس كل شيء “بيزنس”، ولا كل قضية مجرد “عقار”!


وقد لا يكون جديداً ولا مفاجئاً إذا لم يحظَ لبنان بالدعم المطلوب من رئيس يتناغم مع سياسة “إسرائيل” التوسعية. لكن الواقعية تفرض أن يكون منتبهاً ومهتماً بـ”القضية اللبنانية”، لاعتبارات كثيرة يتصدرها عاملان:


الأول: انتخابي، إذ هناك أكثر من 75 مليون كاثوليكي أميركي يشكلون ورقة ضاغطة في الانتخابات المقبلة.

الثاني: إن لم يبادر إلى إنقاذ لبنان من الأظافر الإيرانية والأنياب الإسرائيلية، فلا بد من أن يُفسح المجال أمام الخيار الثالث برعاية الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتحالف دولي كبير، سيعمل تحت ضغط مصالحه لإنقاذ الوطن المنكوب من الشرذمة، وإعادته ليلعب دوره “وطن الرسالة”، والجسر الطبيعي المنفتح على الشرق والغرب.


جورج علم | الجريدة