في زاوية ما من خيمة "نازحة" تفوح منها رائحة الكرامة الممزوجة برطوبة الشتاء الذي عبر، جلس الطفل "عباس" يقلّب في مجموعة من صور والده الذي ارتقى شهي داً سعيداً في "حرب الإسناد".
نظر عباس إلى أمه، التي كانت تحاول إقناع جرة الغاز الفارغة بأن تصمد ليوم إضافي، وسألها بفضول بريء:
"ماما، شو عمل البابا بالحر ب؟ شو الإنجازات اللي خلتنا ننتصر؟"
مسحت الأم دموعها، ليس حزناً طبعاً، بل من شدة "الفخر" والانتصار، وبدأت تسرد له ملحمة البطولة والـ "أرقام" التي ستُدرّس للأجيال القادمة في فنون التدمير الذاتي:
اسمع يا عباس
نجح البابا ورفاقه في تحويل ٥٠ قرية جنوبية إلى مسطحات هندسية رائعة، خالية من العوائق البصرية (والجدران والسقوف)، حيث صار بإمكانك رؤية الأفق من خلف أنقاض غرفتك.
أوضحت له أن تدمير ٤٠ ألف وحدة سكنية ليس خسارة، بل هو "تنظيف للساحة" من أجل مشاريع إعادة إعمار ستأتي ربما في القرن القادم، وهي فرصة ذهبية للعيش في الخيام واختبار حياة "البداوة" الأصيلة.
وشرحت له كيف ساهمت الحرب في "تخفيف الازدحام" عبر ٢٥٠٠ شهي د و ٨٠٠٠ جريح ، فالمهم هو "النوعية" وليس الكمية، وما الفائدة من الأجساد السليمة إذا كانت الروح لا تشبع من شعارات النصر؟
وبفخر شديد، قالت له: "يا بني، نحن كرماء، لدرجة أننا أهدينا إسرائيل ٥٪ من مساحة لبنان (حتى الآن).
ماذا تعني المساحة أمام "وحدة الساحات"؟ الأرض تذهب وتعود، لكن "الموقف" يبقى محفوراً في التراب الذي لم يعد لنا".
وحين سأل عباس عن سبب غلاء منقوشة الزعتر، ابتسمت الأم وشرحت له نظرية الاقتصاديين الجدد:
يا صغيري، صحيح خسرنا حوالي ١٥ مليار دولار من اقتصادنا الوطني. هذا رقم خيالي! هل تعرف أحداً غيرنا يستطيع تحويل بلد كامل إلى "حصّالة مكسورة" من أجل خاطر عيون ايران؟ هذا هو الإسناد الحقيقي!"
عباس … ولدي افهم جيداً ان النصر هو ألا تموت تماماً!
وفي نهاية الحوار، سأل عباس : "يعني يا ماما، إذا البيت راح، والقرية راحت، والبابا مات، والجنوب صار محتل من اسرائيل … ليش عم نقول انتصرنا؟
ضحكت الأم بمرارة، وقالت له وهي تشير إلى شاشة تلفزيون المنار الذي تذيع خطاباً للشيخ نعيم قاسم عن "الصمود الأسطوري":
يا حبيبي، الانتصار بلبنان له تعريف خاص
نام عباس ليلته وهو يحلم بجائزة "نوبل للدمار"، مدركاً أن والده لم يمت من أجل لا شيء، بل مات لكي يثبت للعالم أننا الشعب الوحيد الذي يحتفل بالهزيمة، ويرقص فوق الركام، ويسمي "الإفلاس الشامل" سيادة وطنية.
عاش النصر وعاشت الاطلال