أخبار عاجلة

مقالة

"الخط الأصفر".. هكذا تعيد إسرائيل رسم خريطة جنوب لبنان
20-04-2026 | 18:54

بعد نحو 26 عامًا منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان عام 2000، وهو ما يتمّ الاحتفال به سنويًا تحت عنوان "عيد التحرير"، عاد الجنوب ليجد نفسه يواجه احتلالًا جديدًا من جرّاء الحرب التي اندلعت بين "حزب الله" وإسرائيل في 2 مارس الماضي.


وللمرّة الأولى منذ نحو عقدين ونصف العقد، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إنشاء ما وصفه بـ"خطّ الدفاع الأمامي الذي تعمل فيه قوّاته في جنوب لبنان"، أو ما عُرف بـ"الخطّ الأصفر"، وهو الذي يقضم 55 قرية من جنوب لبنان في مساحة 500 كيلومتر مربّع على عمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات.


ويطرح هذا التطوّر أسئلة جوهرية حول طبيعة الانتشار وأبعاده الإستراتيجية ومآلاته على لبنان والمنطقة، وهو ما أوضحه الخبيران العسكريان والإستراتيجيان العميد ناجي ملاعب والعقيد نضال أبو زيد، في حديث خاص مع "المشهد".


تقسيم متعدّد الطبقات في الجنوب


شكّل "الخطّ الأصفر" تعبيرًا عن مرحلة جديدة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية في التعامل مع الجبهة الشمالية.


وبحسب القراءة التي قدّمها أبو زيد لـ"المشهد"، لم يعد الأمر مجرّد تسمية إعلامية، بل هو جزء من منظومة متكاملة تقوم على تقسيم الجنوب إلى 3 طبقات:


"الخطّ الأحمر" القريب من الحدود (وهي الخمس مناطق التي كان يوجد بها الجيش الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار الأوّل بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر 2024).

"الخطّ الأصفر" كمنطقة انتشار رئيسية (وهي المنطقة التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي بما يُعرف بـ"خطّ نسق القرى الثاني").

منطقة ثالثة تمتدّ من "الخطّ الأصفر" حتى نهر الليطاني.

وأضاف أبوزيد، أنّ هذا التقسيم يعكس انتقالًا من الدفاع التقليدي إلى مفهوم ضمن العرف العسكري يُعرف بـ"مناطق الاهتمام" (الخطّ الأحمر) و"مناطق التأثير" (الخطّ الأصفر)، حيث تسعى إسرائيل إلى إنشاء حزام أمني متعدّد الطبقات، يتيح لها التحكّم بالميدان ومنع أيّ تهديد مستقبلي.


وقال إنّ هذا النموذج ليس معزولًا، بل يتقاطع مع تجارب مماثلة في قطاع غزة، ما يشير إلى تبنّي نمط عملياتي موحّد في بيئات مختلفة.


ما بعد 7 أكتوبر


وبحسب أبوزيد، لا يمكن فهم "الخطّ الأصفر" بمعزل عن التحوّلات التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر 2023، والتي دفعت إسرائيل إلى إعادة تقييم منظومتها الأمنية.


وفي هذا السياق، برزت توصيات لجان عسكرية، من بينها لجنة ارتبطت باسم الجنرال المتقاعد سامي ترجمان، والتي شدّدت على ضرورة نقل المعركة إلى أراضي الخصم وإنشاء مناطق عازلة.


ولا تقتصر هذه الرؤية على جنوب لبنان، بل تمتدّ جغرافيًا لتشمل نطاقًا أوسع يبدأ من رأس الناقورة مرورًا بالجنوب اللبناني، وصولًا إلى الجولان وجنوب غرب سوريا، بحسب أبوزيد الذي أضاف، أنّ "الخطّ الأصفر" ليس مجرّد إجراء تكتيكي ظرفي، بل جزء من إستراتيجية إقليمية تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد في دول الجوار.


نجاح تكتيكي أم خسارة إستراتيجية؟


من الناحية العسكرية، أوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ"المشهد"، أنّ "حزب الله" اعتمد خلال المواجهة الأخيرة على ما يُعرف بـ"الدفاع المرن"، وهو أسلوب يقوم على عدم التمركز في خطوط ثابتة، بل استنزاف القوات المتقدّمة عبر كمائن متحرّكة وضربات نوعية.


ولفت إلى أنّ هذه الإستراتيجية نجحت في إلحاق خسائر ملموسة بالقوات الإسرائيلية خلال الأسابيع الأولى من القتال.


وأضاف ملاعب: "هذه النجاحات التكتيكية لم تمنع إسرائيل من استثمار نتائج وقف إطلاق النار، خصوصًا البنود التي تتيح لها التحرّك ضدّ التهديدات المحتملة، لتثبيت وجودها داخل الأراضي اللبنانية. وهنا يبرز التناقض بين الأداء الميداني والنتائج السياسية، حيث أتاح الإطار القانوني لوقف النار لإسرائيل فرض وقائع جديدة، من بينها توسيع نطاق سيطرتها وإنشاء خطوط دفاعية متقدّمة".


هل نحن أمام "منطقة أمنية" جديدة؟


وقال ملاعب إنّ التطوّرات الحالية تستحضر تجربة "الشريط الحدودي" الذي أقامته إسرائيل بين عامي 1985 و2000، إلّا أنّ المقارنة تكشف عن اختلافات جوهرية. ففي السابق، كانت المنطقة الأمنية تُدار عبر "وكلاء محليّين"، ولم تشهد عمليات تدمير واسعة النطاق كما هو الحال اليوم.


أمّا في السياق الراهن، فقد أشار ملاعب إلى أنّ العمليات الإسرائيلية تتّسم بكثافة تدميرية عالية، حيث تشمل هدم البنى التحتية وإزالة معالم القرى، وصولًا إلى إعادة تسمية بعض المناطق بأسماء عبرية، ما يعكس محاولة لفرض واقع طويل الأمد.


كذلك، فإنّ القدرات العسكرية لـ"حزب الله" اليوم تختلف جذريًا عمّا كانت عليه في التسعينيات، سواء من حيث نوعية التسليح أو مدى التأثير داخل العمق الإسرائيلي.


تداعيات سياسية


وتتجاوز تداعيات "الخطّ الأصفر" البعد العسكري لتطال المشهد السياسي والدبلوماسي. وبحسب المعطيات الراهنة، أكد ملاعب أنّ لبنان تواجهه تحدّيات متزايدة على الساحة الدولية، خصوصًا في ظلّ مواقف أوروبية انتقدت اندلاع الحرب وحمّلت "حزب الله" مسؤولية التصعيد.


في هذا الإطار، طرح فكرة أنّ تسليم سلاح "حزب الله" إلى الدولة اللبنانية، قد يشكّل مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وسحب الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير وجودها العسكري. غير أنّ هذا الطرح يبقى محلّ جدل داخلي حادّ، نظرًا لتعقيداته السياسية والأمنية.


وقال ملاعب إنّ "الخطّ الأصفر" يطرح تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع في جنوب لبنان، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على مواجهات محدودة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، بل بات جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية.


ومن هنا، يقف جنوب لبنان اليوم عند مفترق طرق حاسم: إمّا الانزلاق نحو واقع احتلالي طويل الأمد بأشكال جديدة (كما هو الحال في سوريا وقطاع غزة)، أو البحث عن تسويات سياسية تعيد تثبيت السيادة اللبنانية على أراضيها المحتلّة. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل المنطقة مفتوحًا على احتمالات متعدّدة، تحدّدها موازين القوى والتطوّرات الإقليمية والميدانية في المرحلة المقبلة. 


جوزيان الحاج موسى | المشهد