في كل محطة يتجدد فيها الحديث عن “السلام” أو “ترتيبات ما بعد الحرب” على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، يبرز سؤال قديم بصيغة جديدة:
لماذا يمانع حزب الله إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، حتى عندما تُطرح مقاربات براغماتية تتصل بوقف النار أو إعادة الإعمار أو تثبيت خطوط أمنية؟ وفي المقابل، كيف يقدّم الحزب قراءته لمآلات الحرب وما تلاها، وسط دمار واسع أصاب قرى وبلدات الجنوب، وتوترات سيادية وأمنية يثيرها استمرار الاحتلال أو التمركز في أجزاء من الحدود؟
أولاً: الممانعة بوصفها خياراً سياسياً وأيديولوجياً
يربط حزب الله موقفه من التفاوض المباشر بإطار أوسع يصفه بـ«الصراع الوجودي» مع إسرائيل، حيث لا تُعدّ المسألة نزاع حدود أو ترتيبات أمنية فحسب، بل صراعاً مرتبطاً بفلسطين وبمبدأ “عدم الاعتراف” ورفض أي مسار يُفهم كتطبيع.
من هذا المنطلق، يميّز الحزب عادة بين قبول وساطات غير مباشرة لترتيبات محددة (مثل وقف إطلاق نار أو تبادل) وبين الجلوس على طاولة واحدة في مفاوضات سياسية مباشرة تُفضي بحسب قراءته إلى شكل من أشكال الإقرار المتبادل.
سياسياً، يُقدَّم هذا الرفض أيضاً كجزء من هوية الحزب وتمايزه داخل الساحة اللبنانية والإقليمية. فالتراجع إلى مفاوضات مباشرة قد يُفسَّر لدى جزء من قاعدته كتحوّل في “العقيدة السياسية” التي تأسس عليها، وقد يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول جدوى “المقاومة” إذا انتهت إلى صيغة تفاوضية مشابهة لمسارات عربية سابقة. لذلك يفضّل الحزب، عند الاضطرار إلى ترتيبات، أن تمرّ عبر الدولة اللبنانية أو عبر وسطاء دوليين، بما يسمح له بالقول إنه لم يبدّل موقعه المبدئي.
ثانياً: حسابات التفاوض والردع… ومن يملك “ثمَن” التسوية؟
إلى جانب البعد المبدئي، ينظر الحزب إلى التفاوض المباشر كمسار يحمل مخاطر عملية: أولها عدم تكافؤ ميزان القوة، وثانيها أن أي طاولة مباشرة ستُفتح سريعاً على ملفات تتجاوز وقف النار إلى سلاح الحزب ودوره الإقليمي. وفي تجارب المنطقة، كثيراً ما تحوّل “التفاوض على التهدئة” إلى شروط سياسية وأمنية عميقة. لذلك يفضل الحزب إبقاء خطوط الاتصال في إطار غير مباشر، حيث يمكن ضبط جدول الأعمال وحصره ببنود محددة زمنياً وتقنياً.
كما أن التفاوض المباشر، في منطق الحزب، قد يُضعف معادلة الردع التي يتبناها: أي أن إبقاء الصراع ضمن قواعد اشتباك قابلة للانفجار عند الحاجة يمنح الحزب ورقة ضغط دائمة. أما الانتقال إلى مسار مفاوضات سياسية مباشرة فقد ينقل المواجهة إلى ميدان “التنازلات المتبادلة” ويُدخل الحزب في اختبار داخلي صعب: كيف يشرح لجمهوره كلفة أي تسوية، في لحظةٍ يتنافس فيها توصيف النتائج بين من يراها “هزيمة” وبين من يصفها “صموداً” أو “انتصاراً” وفق معيار منع أهداف الخصم؟
ثالثاً: ما بعد الحرب… بين سردية “الانتصار” وواقع الدمار في الجنوب
في خطاب حزب الله، لا يُقاس “الانتصار” بالضرورة بمؤشرات مادية كحجم الدمار أو الخسائر الاقتصادية، بل بقدرة الخصم على تحقيق أهدافه المعلنة: كإنهاء وجود الحزب، أو فرض وقائع سياسية داخلية، أو الحصول على “أمن مطلق” على الحدود. وبهذا التعريف، قد يعتبر الحزب أن مجرد البقاء والقدرة على الاستمرار في إطلاق النار أو منع اجتياح واسع أو فرض شروطه على وتيرة التصعيد يندرج ضمن “تحقيق الهدف”. هذه المقاربة تساعده على تثبيت سرديته أمام جمهور منهك، لكنها تصطدم في المقابل بواقع قرى مدمرة ونزوح طويل وأعباء معيشية ثقيلة.
هنا يبرز تحدٍ مزدوج: من جهة، مطالبة الناس بتعويضات وإعادة إعمار سريعة، ومن جهة أخرى محدودية الدولة اللبنانية مالياً وإدارياً، وتعقيدات التمويل الخارجي المشروط غالباً بإصلاحات أو ترتيبات أمنية. وفي مثل هذه اللحظات، يحاول الحزب دفع النقاش نحو أولوية “حماية السيادة” ووقف الاعتداءات، مع ترك هامش للدولة للتفاوض عبر القنوات الرسمية، بما يخفف عنه كلفة الدخول في مفاوضات مباشرة قد تُقرأ كتنازل سياسي.
رابعاً: الاحتلال أو التمركز في أجزاء من الجنوب… كيف يُترجم الحزب “الحل”؟
حين يتحدث الحزب عن “حل” في الجنوب، فهو غالباً ما يجمع بين ثلاث أدوات:
(1) دور الدولة اللبنانية والجيش في الانتشار وضبط الأرض،
(2) بقاء “المقاومة” كعامل ردع يمنع فرض أمر واقع، و
(3) قبول وساطات دولية غير مباشرة لترتيبات ميدانية محددة، من دون أن تتحول إلى مسار اعتراف أو تطبيع. ويَظهر في خطابه ميلٌ إلى مقاربة تدريجية: وقف النار وتثبيت خطوط الانتشار، ثم معالجة نقاط الخلاف عبر الأمم المتحدة أو الوسطاء، مع إبقاء خيار التصعيد قائماً إذا استمر الاحتلال أو الخروقات.
لكن هذه المقاربة تصطدم بانقسام داخلي مزمن حول سلاح الحزب وحدود قراره بالحرب والسلم. فخصومه يرون أن أي “حل” مستدام يتطلب حصرية السلاح بيد الدولة وآلية قرار وطنية موحدة، فيما يعتبر الحزب أن تجربة الصراع مع إسرائيل تُثبت—من وجهة نظره—أن ميزان الردع الحالي هو الذي يمنع الأسوأ. وبين المنطقين، تظل مسألة إعادة إعمار الجنوب وتثبيت الاستقرار مرتبطة بقدرة اللبنانيين على إنتاج تسوية داخلية تُجنب البلاد دورات عنف جديدة.
ممانعة حزب الله للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل ليست موقفاً معزولاً عن منظومته السياسية: فهي تتصل برفض الاعتراف والتطبيع، وبحسابات الردع، وبالخشية من أن تتحول أي طاولة مباشرة إلى بوابة لنقاش سلاحه ودوره الإقليمي. غير أن اختبار ما بعد الحرب يضع هذه المقاربة أمام واقعٍ أكثر قسوة: دمار واسع، كلفة اجتماعية واقتصادية متصاعدة، وأسئلة سيادية حول القدرة على منع الاحتلال أو تثبيت الاستقرار.
وبين سردية “الانتصار” ومعايير الناس اليومية، تتوقف الإجابات في نهاية المطاف على ما إذا كان لبنان قادراً على صياغة قرار وطني جامع: كيف يحمي أرضه، ويعيد إعمار جنوبه، ويمنع تكرار الكارثة، من دون أن يدفع أثماناً سياسية لا يحتملها.