في كل مرة تبدأ الدولة اللبنانية باستعادة دورها الفعلي في إدارة الأمن داخل العاصمة، تتقدّم حملات إعلامية منظمة تستهدف الأجهزة التي تتولى تنفيذ هذا الدور، وفي مقدّمها فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ولا سيما شعبة معلومات بيروت. هذا الاستهداف لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اختلاف في الرأي حول أداء جهاز أمني، بل هو جزء من مواجهة سياسية وأمنية أوسع تتصل مباشرة بمسار إعادة تثبيت سلطة الدولة في مدينة كانت طوال سنوات رهينة توازنات السلاح غير الشرعي ومناطق النفوذ الخارجة عن القانون.
ما يجري اليوم ليس نقاشاً تقنياً حول إجراءات أمنية، بل محاولة واضحة لتقييد جهاز ينفّذ توجهاً رسمياً أعلنته الدولة اللبنانية نفسها عندما شددت الحكومة على ضرورة أن تكون بيروت مدينة خالية من السلاح غير الشرعي. وعندما تتخذ الدولة قراراً بهذا الحجم، تصبح الأجهزة الأمنية ملزمة بتنفيذه، لا التفاوض عليه ولا التراجع عنه تحت ضغط الحملات السياسية أو الإعلامية. لذلك فإن أي استهداف لفرع المعلومات في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن الاعتراض الضمني على تطبيق هذا القرار السيادي.
فرع المعلومات لا يعمل خارج مؤسسات الدولة ولا يتحرك وفق أجندات خاصة، بل يشكّل أحد أهم أركان المنظومة الأمنية الشرعية التي حافظت خلال السنوات الماضية على الحد الأدنى من الاستقرار في العاصمة وفي مناطق حساسة من لبنان. وقد أثبت هذا الجهاز، في مراحل دقيقة من تاريخ البلاد، أنه عنصر توازن أساسي في مواجهة شبكات التخريب والإرهاب والجريمة المنظمة، وفي حماية المؤسسات الرسمية ومنع الانزلاق إلى الفوضى الأمنية التي شهدتها دول كثيرة في المنطقة. ولذلك فإن استهدافه اليوم يحمل دلالات تتجاوز الجهاز نفسه لتطال فكرة الدولة التي يمثلها.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما تقوم به شعبة معلومات بيروت بإدارة رئيسها الرائد رامي شقير عن المسار العام الذي تعمل الدولة على ترسيخه داخل العاصمة. فالإجراءات التي تُتخذ ليست استهدافاً لأي جهة، بل تطبيق مباشر للقانون في مدينة يفترض أن تكون النموذج الأول لهيبة المؤسسات الشرعية. الأمن في بيروت ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو معيار وجود الدولة نفسها، لأن أي خلل في العاصمة ينعكس فوراً على صورة لبنان السياسية والاقتصادية وعلى ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي بقدرة مؤسساته على فرض الاستقرار.
اللافت أن الحملات التي تستهدف هذا الجهاز ورئيس شعبة معلومات بيروت تأتي بالتزامن مع خطوات عملية لتعزيز سلطة الدولة على الأرض، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذا التصعيد. فالتجربة اللبنانية خلال العقود الماضية تؤكد أن الأجهزة الأمنية كانت دائماً تُستهدف عندما تبدأ بتطبيق القانون في مناطق النفوذ غير الشرعي أو عندما تقترب من ملفات حساسة تتصل بالسلاح الخارج عن إطار المؤسسات. ومن هنا يصبح الهجوم على فرع المعلومات جزءاً من محاولة تعطيل مسار استعادة الدولة لدورها الطبيعي داخل العاصمة، وليس مجرد اعتراض على أداء إداري أو إجراء ميداني.
إن الدفاع عن فرع المعلومات في هذه المرحلة لا يتعلق بجهاز أمني بحد ذاته، بل يرتبط مباشرة بمبدأ أن تكون الدولة المرجعية الوحيدة للأمن والسلاح داخل بيروت. فإضعاف الأجهزة التي تنفّذ القانون يعني عملياً إعادة إنتاج نموذج الدولة الهشة التي تُدار فيها العاصمة بمنطق التوازنات المفروضة بالقوة لا بمنطق المؤسسات. ولذلك فإن الوقوف إلى جانب هذا الجهاز اليوم هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، وعن حق اللبنانيين في أن تكون عاصمتهم مدينة آمنة خاضعة للقانون، لا ساحة مفتوحة للسلاح غير الشرعي ولا منصة لتقويض سلطة المؤسسات الشرعية.