اعتبرت صحيفة "تليجراف" البريطانية، أن قائد الحرس الثوري الإيراني، أحمد وحيدي، الذي يسيطر على "الذراع العسكري الأكثر قوة للنظام، ويدير الخطوات التالية في حرب إيران"، يجعله "المفاوض الفعلي"، الذي يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من وراء الكواليس.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أنه بينما ينشر أحدهما آرائه وتهديداته على منصته للتواصل الاجتماعي، ويستقبل المكالمات من جميع الصحافيين المفضلين لديه ويدير هجوم بلاده على إيران من منتجعه الصيفي بولاية فلوريدا، تجنب الآخر الإدلاء بتصريحات علنية منذ بداية الحرب، واختار أن يمارس سيطرته بهدوء على أقوى قوة عسكرية في إيران.
ومع ذلك، فإن هذين الرجلين؛ دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة، وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، هما اللذان سيقرران في نهاية المطاف ما إذا كانت القنابل ستبدأ في السقوط مجدداً على إيران، أو إذا كان بإمكانهما التوصل إلى اتفاق على "سلام غير مكتمل".
وبينما يمثل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الوجهان الإعلاميان في المفاوضات، ويؤديان "مسرحية دبلوماسية" أمام الكاميرات في إسلام آباد، فإن القرارات الفعلية تُتخذ في أماكن أخرى، وفق الصحيفة البريطانية.
ابتعاد عن الأضواء
وغالباً ما يظهر ترمب وكأنه يتخذ قرارات استناداً إلى الدوافع وبشكل متناقض، معلناً مواقف، يتعين على مفاوضيه بعد ذلك أن يسارعوا إلى تفسيرها أو التراجع عنها.
وبينما يفرض وحيدي سلطته من خلال بيانات الحرس الثوري، والإجراءات المتخذة من القوات الخاضعة لقيادته وقرارات يُصدرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وذكرت الصحيفة أن الجنرال وحيدي تولى القيادة في خضم معارك عنيفة في 28 فبراير الماضي، بعد ساعات قليلة من غارات جوية أميركية وإسرائيلية أودت بحياة سلفه محمد باكبور، والمرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
ولم يُجرِ الجنرال البالغ من العمر 67 عاماً أي مقابلات صحافية، ولم يصدر أي بيانات شخصية، ولم يظهر في أي مناسبات عامة منذ ذلك اليوم.
ولا تكمن خبرته في البراعة التكتيكية، بل في القمع وإدارة القوات بالوكالة، وسحق الحركات الانفصالية، والحفاظ على السيطرة على المناطق العرقية المنقسمة في إيران، عندما تضعف السلطة المركزية، بحسب "تليجراف" البريطانية.
ولفتت الصحيفة، إلى أن الجنرال وحيدي، يعد واحداً ضمن مجموعة من قادة الحرس الثوري الإيراني، الذين يحكمون الآن فعلياً الآن إلى جانب القيادة الانتقالية.
مسيرة مهنية طويلة
تمتد مسيرة وحيدي المهنية على طول تاريخ الجمهورية الإيرانية بأكمله؛ فقد انضم إلى الحرس الثوري في عام 1979، وشغل منصب نائب رئيس جهاز الاستخبارات عام 1981، وأصبح قائداً لـ"فيلق القدس" (ذراع العمليات الخارجية للحرس الثوري) في عام 1988.
خلال خدمته، لعب دوراً أساسياً في بناء شبكة وكلاء إيران، حيث دعم جماعة "حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحركة "حماس" الفلسطينية في قطاع غزة، والفصائل العراقية والسورية.
شغل منصب وزير الدفاع في الفترة من عام 2009 إلى عام 2013 في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، ثم وزير الداخلية في الفترة من عام 2021 إلى عام 2024 خلال فترة محفوفة بالمخاطر للنظام في عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي.
وعندما اندلعت الاحتجاجات في عام 2022، التي أشعلتها وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني أثناء احتجازها، وهددت النظام، لعب وحيدي دوراً رئيسياً في قمعها، واستعاد النظام من خلال حملة "قمع عنيف"، بحسب الصحيفة.
وعندما شغل منصب وزير الداخلية، أشرف على تعيين عدد من المحافظين العسكريين، وقادة الشرطة يفوق ما عيّنه أي وزير داخلية سابق، ووضع قدامى المحاربين في الحرس الثوري في جميع هياكل السلطة الإقليمية.
اتهامات وعقوبات دولية
وعلى الرغم من دوره المحتمل كـ"صانع سلام"، وفق الصحيفة، فقد ارتبط اسمه منذ فترة طويلة بالعنف على الصعيد الدولي. وأصدرت الأرجنتين والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول" مذكرات توقيف بحقه لتورطه في تفجير مركز الجالية اليهودية "أميا" في العاصمة بوينس آيرس في عام 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصاً.
وفرض عليه الاتحاد الأوروبي عقوبات في عام 2008، ولا يمكنه السفر إلى معظم الدول الغربية أو الدول المحايدة التي تلتزم باحترام النشرات الحمراء (مذكرات الاعتقال) الصادرة عن الإنتربول.
وقد ألقى وحيدي خطابين في ديسمبر من العام الماضي، أعطيا لمحة نادرة عن طريقة تفكيره.
وفي كلمة ألقاها في مؤتمر حول الحكم الإسلامي في 17 ديسمبر 2025، قال للحاضرين: "كونوا على يقين من أن قادة القوات المسلحة موجودون في الميدان يسبقونكم ويسبقونني، وأنهم مستعدون. لقد أعدوا أنفسهم لمواجهة التحديات الخطيرة، ولن يتراجعوا على الإطلاق".
وبعد عشرة أيام، قال: "يأمل الأصدقاء أنه بالاعتماد على هذه الأمة العظيمة، وتحت قيادة هذا القائد الحكيم، يوماً ما سيجري إسقاط أميركا القمعية والنظام الصهيوني الغاصب، ولن يكون ذلك اليوم بعيداً".
وقد حددت هذه التصريحات المحاور التي ظل وحيدي يركز عليها طوال أسابيع صمته؛ وهي أن القرارات العسكرية تعلو على القرارات الدبلوماسية، ويجب على القوات المسلحة الاستعداد لصراع طويل الأمد، كما أن بقاء الجمهورية الإيرانية يعتمد على إظهار القوة مع تحمل الضربات.
نفوذ وحيدي
ووفق "تليجراف"، فإن الارتباك الذي ساد بشأن إعادة إيران فتح مضيق هرمز، يوم الجمعة الماضي، أظهر مدى نفوذ وحيدي والجنرالات الآخرين. فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الدبلوماسي الإيراني المخضرم الذي تولى التفاوض بشأن الاتفاق النووي في عام 2015، عن فتح الممر المائي. وفي غضون ساعات، أطلقت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري النار على ناقلات النفط التي كانت تحاول العبور.
وفي تفسيره للأمر، اعتبر مسؤول في الإدارة الأميركية في تصريحات لموقع "أكسيوس"، أن هذا التناقض يكشف عن "انقسام داخلي" في إيران.
وقال المسؤول: "كنا نعتقد أنهم يتفاوضون مع الأشخاص المناسبين، وأنهم توصلوا إلى صيغة متفق عليها، يمكن الإعلان عنها. لكن ما حدث هو أن الوفد الإيراني عاد، فجاء الحرس الثوري الإيراني وأمثالهم وقالوا: (لا، لا. أنتم لا تتحدثون باسمنا)".
تضارب تصريحات إيران حول هرمز يثير الجدل بشأن المفاوضات
تضارب تصريحات إيران حول مضيق هرمز يثير تساؤلات حول رسائلها التفاوضية، وسط حديث عن استخدامه كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة.
لكن علي فايز، الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز أبحاث "مجموعة الأزمات الدولية" ومقرها بروكسل، رفض هذا التفسير، قائلاً: "ما رأيتموه من رسائل متضاربة هو انعكاس لموقف الولايات المتحدة المتقلب أكثر منه انعكاس للصراعات الداخلية في إيران".
وأضاف: "عندما خرج عراقجي وقال إن إيران ستفتح المضيق، كان ذلك مباشرة قبل أن يعلن ترمب أنه سيُبقي على الحصار الأميركي"، معتبراً أن تراجع الحرس الثوري الإيراني "لم يكن رد فعل غاضب من عراقجي. بل كان رداً على ترمب، ورد فعل تجاه ترمب".
واعتبر أن "التقديرات بشأن مدى حدة الصراعات الداخلية داخل النظام السياسي الإيراني مبالغ فيها"، مضيفاً أنه "فيما يتعلق بقدرة النظام على بناء توافق كافٍ حول موقفه التفاوضي، لا أرى أي تصدعات خطيرة".
متفقاً معه في الرأي، قال المحلل الأمني الإيراني مرتضى سيماري، إن رد إيران كان يهدف إلى تعطيل "نظام صنع القرار لدى فريق ترمب الأمني".
معركة بقاء النظام
ورجحت الصحيفة البريطانية، أن تعيين وحيدي في هذا المنصب، ربما يكون له هدف آخر، ألا وهو حماية خلافة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، "فهو يفتقر إلى قاعدة سلطة مستقلة من شأنها أن تجعله أو جنرالاته منافساً لنجل المرشد الراحل، وهذا الأمر يفسر صمته".
وأشارت "تليجراف"، إلى أن الجنرال وحيدي لا يستطيع تحمل تكلفة الظهور العلني الذي جعل من الجنرال الراحل قاسم سليماني، خليفته في "فيلق القدس"، اسماً مألوفاً لدى الجميع. فشعبية سليماني جعلته منه شخصية ذات نفوذ سياسي قوي، لكن قوة وحيد يجب أن تظل عملياتية، لا كاريزمية.
ومع ذلك، فإن تصوير وحيدي على أنه صانع القرار الوحيد في إيران، يبسط بشكل مفرط واقعاً أكثر تعقيداً، ولهذا يحذر فايز من الافتراض بأن قائد الحرس الثوري، يتحكم في كل شيء.
وقال الخبير في الشؤون الإيرانية: "الحرس الثوري الإيراني ليس مؤسسة متجانسة. لطالما كانت فيه آراء مختلفة ومراكز قوة مختلفة. والقرارات تُتخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي. ومن المؤكد أن وحيدي لديه صوت مهم هناك"، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية الحالية "موحدة في مواجهة الأزمة، لا مُنقسمة إلى فصائل".
وأوضح "أنهم جميعاً في نفس القارب في معركة وجودية من أجل بقاء النظام"، مضيفاً أن "معظم صانعي القرار الرئيسيين ينتمون إلى الحرس الثوري".
وأشار فايز إلى أن الواقع هو أن "الآلية لا تزال آلية صنع قرار جماعية"، حيث ينبغي على قاليباف وعراقجي أن "يتبعا أوامر مجلس الأمن القومي الأعلى".
تصريحات ترمب
في سياق آخر، لفتت الصحيفة إلى أن تصريحات الرئيس ترمب المستمرة تثير حالة من الارتباك، فقد أخبر الصحافيين أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم، في حين أن المفاوضين ناقشوا في الواقع الإفراج عن 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة مقابل قيود مؤقتة على التخصيب.
وقال ترمب إن جي دي فانس كان بالفعل في طريقه إلى باكستان، بينما بقي نائب الرئيس في واشنطن، وهدد بقصف مكثف بينما وعد بسلام وشيك.