في بيانه بتاريخ الإثنين 27 نيسان، يقدّم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم سردية متكاملة عن الحرب الدائرة، قوامها "العدوان الإسرائيلي" مقابل "مقاومة دفاعية" ترفض التفاوض وتتمسك بالسلاح كخيار وجودي. وكما هي الحال في خطابات مسؤولي الحزب، تسقط مسوّغاتهم عند تفكيكها أمام الوقائع وأمام منطق الدولة، وتكشف تناقضات عميقة تعكس أزمة بنيوية في فهم السيادة والحل.
أساسا يتجاهل الخطاب- البيان للشيخ نعيم حقيقة أن الحرب الحالية لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة قرار بفتح جبهتي إسناد لحماس وإيران ضمن سياق إقليمي تقوده طهران. هذا القرار، الذي اتُّخذ خارج مؤسسات الدولة، باعتراف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، وضع لبنان في قلب مواجهة لم يقرّرها كدولة، وتاليا يُسقط مقولة أن الصراع هو "عدوان مفروض" فقط، ويعيد طرح المسؤولية عن إشعال الحرب.
في المقابل، يصرّ الخطاب على توصيف الحكومة بـ"السلطة" في محاولة لنزع شرعيتها، بينما الحقيقة البديهية في كل دول العالم أن الدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم والتفاوض. رفض التفاوض الذي تقوده الحكومة لا يعني سوى رفض مبدأ الدولة نفسه، إذ لا يمكن المطالبة بالسيادة مع سحب أدواتها من المؤسسات الشرعية.
الأكثر تناقضًا أنّ الخطاب يرفض التفاوض المباشر، لكنه يقرّ ضمنيًا بأن وقف إطلاق النار لم يكن ليحصل لولا مسار تفاوضي غير مباشر وبرعاية دولية، هنا تسقط مفارقتين: الأولى أنه لا يمكن إنكار الآلية التي أنتجت النتيجة، فالتفاوض ليس خيارًا بل واقعًا مفروضًا، سواء أُعلن أم جرى خلف الكواليس. والثانية أن المفاوضات السابقة التي أدت إلى اتفاق 27 تشرين لوقف اطلاق النار كانت غير مباشرة، وأن الحزب ساهم في إسقاطها بفعل فشل تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
أما الشروط المطروحة كمدخل للحل من إيقاف العدوان برًا وبحرًا وجوًا، انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، الإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى كلّ قراهم وبلداتهم وإعادة الإعمار، فتبدو في ظاهرها نقاط مشروعة لكنها في حقيقتها غير قابلة للتحقيق طالما يستمر وجود سلاح خارج الدولة. فهذا السلاح، الذي يُقدم باعتباره دفاعيا هو نفسه الذي استدرج الحرب، ويمنع قيام دولة قادرة على التفاوض من موقع موحد. كما أنه يمنح إسرائيل ذريعة دائمة لمواصلة عملياتها وبذلك، لا يعود السلاح عنصر حماية، بل يتحول إلى أحد أسباب استمرار الخطر.
في بيان الشيخ نعيم استدعاء لاتفاق الطائف في انتقائية واضحة. فالاتفاق الذي يُطرح كمرجعية للوحدة الوطنية ينص صراحة على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. لا يمكن التمسك بالطائف كشعار للوحدة وتجاهل جوهره كإطار لبناء الدولة. الوحدة لا تُبنى خارج الدستور، بل عبر الالتزام به.
إلى جانب ذلك، يغيب عن كلمة قاسم أي اعتراف بالكلفة الفعلية للحرب: دمار واسع، نزوح جماعي، انهيار اقتصادي، وأعباء إعمار تفوق قدرة الدولة. في مقابل مفردات عن "العزة والصمود"، بحيث يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: من يدفع الثمن؟ الجواب واضح: المجتمع اللبناني بأكمله، لا التنظيم الذي يخوض المعركة.
الأخطر أنّ الخطاب، رغم حديثه عن السيادة، يقرّ بدور إقليمي حاسم لإيران في وقف إطلاق النار، ما يكشف تناقضًا جوهريًا بين شعار "القرار الوطني" وواقع الارتباط بمحاور خارجية. كيف يمكن التوفيق بين سيادة يُفترض أنها لبنانية خالصة، وقرار حرب وسلم يتأثر بمسارات تفاوض خارج الحدود؟، مع الإشارة إلى أن التهدئة الحالية النسبية والتي تحصر الحرب في الجنوب، حتى الساعة، جاءت بناء لجهود الدولة وقرارها التفاوض المباشر بهدف التوصل إلى سلام يرتكز إلى النقاط الخمس المذكورة أعلاه.
الخطاب يطرح معادلة ثنائية حادة: "التحرير أو الذل"، وهي مقاربة تلغي كل المسارات السياسية الممكنة، من تسويات ودبلوماسية وحلول مرحلية. بهذا المعنى، لا يقدّم الخطاب أفقاً للحل، بل يؤسس لحرب مفتوحة، أو ما يمكن تسميته "شرعنة الحرب الدائمة".
وفي تناقض إضافي، يدعو الخطاب إلى "وحدة الشعب" في وقت يكرّس فيه انقساماً حيث يحتفظ طرف واحد بقرار الحرب. لا يمكن بناء وحدة وطنية في ظل ازدواجية السلاح والقرار، لأن أساس أي وحدة هو خضوع الجميع لسلطة الدولة. كما يدعو قاسم إلى إلغاء قرار الحكومة في ٢ آذار الذي على حد قوله حرفياً : "يُجرم المقاومة وشعبها أي أكثر من نصف الشعب اللبناني، لتتمكن من متابعة حوار داخلي يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار". لقد سبق أن عقدت اجتماعات حوارية عدة تناولت الموضوع لكنها فشلت في التوصل إلى حل لسلاح الحزب، وما كلام قاسم سوى محاولة اخرى جديدة لاستدراج غطاء شعبي ورسمي لنشاطات الحزب بحجة انه مطروح رسميا على الطاولة.
لا يطرح هذا الخطاب مشروع دولة، بل مشروع "دور إقليمي" للبنان. والفارق جوهري: الدولة تحمي شعبها عبر المؤسسات والتوازنات، بينما "الدور" يحوّل البلد إلى ساحة صراع مفتوحة. ومن هنا، تصبح المعادلة واضحة وخطرة في آن: دولة ضعيفة، سلاح خارجها، وحرب مستمرة أي غياب كامل للاستقرار والسيادة.
إن الخروج من هذه الحلقة لا يمر عبر مزيد من التصعيد، بل عبر إعادة الاعتبار لمبدأ بسيط: حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، دعم مسار التفاوض كخيار واقعي، والالتزام الكامل بالدستور واتفاق الطائف. دون ذلك، سيبقى لبنان يدفع أثمان حروب لا يقرّرها، ولا يملك القدرة على إنهائها.
في النهاية خطاب الشيخ نعيم لا يعدو كونه خطابا تعبوياً واضحاً، قائم على إعادة صياغة الوقائع بما يخدم، كما العادة، سردية "المقاومة الدائمة" وتبرير استمرار السلاح خارج الدولة، وهو بيان تعبئة لحرب مفتوحة، يعاد فيه تدوير الأزمة بدل إنهائها.
أيلي ا. حرب