قد يكون التدقيق، والتتبع لكلام وسجالات المسؤولين اللبنانيين، مسألة معقدة وعويصة. لأنها في حال خيضت، فهي مهمة لن توصل إلى نتيجة كبيرة وواضحة أمام هول الكارثة، بل النكبة التي حلت وتحل بالشعب اللبناني بشكل عام، اقتصادياً ونقدياً ومادياً واجتماعياً، وبأهل وسكان الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية بشكل خاص على مختلف المستويات.
بغض النظر عن التفاصيل، فإن أغلب ما يجري تقع مسؤوليته على حزب الله ومن خلفه إيران، التي حولت طموحاتها، وبسبب سياستها في المنطقة ولبنان، سكان الجنوب بشكل خاص والطائفة الشيعية عموماً، إلى كتلة اجتماعية عصبية تعادي وتواجه أغلب اللبنانيين في كل الاتجاهات وفي غالبية المواضيع المثارة والمطروحة.
بدلاً من أن تكون هذه الإمكانيات الكبيرة والحيوية التي تمثلها هذه الجماعة، المكونة بأغلبيتها الشابة، المليئة بالطاقات والقوة الكامنة في هذه الطائفة، في خدمة لبنان وتطوره، تحولت ودفعت إلى موقع كتلة اجتماعية مأزومة ومقصوفة ومستهدفة، ومشردة، في بلدها وشوارعه وأغلب مناطقه. وذلك لهدف محدد، هو دعم نفوذ وتوجهات وطموحات ومشاريع وتطلعات الدولة الإقليمية الطامعة باستعادة دور إمبراطوري في طهران.
لا يمكن أن نحذف أو نلغي هنا طموحات ومخططات إسرائيل العدوانية التوسعية، التي كانت تنتظر الفرصة المناسبة لتنفيذ ما تريد، فأتتها على طبق من ثلة صواريخ انتقامية.
ليس مهماً ما قاله رئيس الجمهورية جوزاف عون، وبما رد عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري. بل المهم في الموضوع أن أركان الدولة المعنيين والأساسين الذين يشكلون الحكم في لبنان، هم في خلاف وفي خصام و"تناتش" وتصارع ومواجهة، بدلاً من أن يكونوا في اتفاق واتحاد وتضامن في هذه المرحلة.
السبب في ما يجري في العمق، يعود إلى الأزمة المعضلة التي يشكلها ويمثلها حزب الله، المتصل بالسياسة الإيرانية، والذي في المحصلة يطوق رئيس مجلس النواب نبيه بري ويحيطه من كل جانب.
ليس مقصراً في الإدراك والمعرفة، ولا غريباً أو غائباً أو غافلاً، رئيس مجلس النواب. وهو يعرف تماماً الصح من الخطأ، ويدرك حدود المناورة الممكنة، وأبعادها. لكنه في النهاية لن يخرج عن إطار سياسة حزب الله وتوجهات إيران، مهما كانت الحسابات والأخطاء، التي ساهمت في توريط لبنان في هذه المقتلة، وأدت إلى تدمير الجنوب وتحطيم وإحباط البلاد ككل.
الجديد في كل ما جرى ويجري، أن رئيس الجمهورية الحالي جوزاف عون ليس في جيب حزب الله أو في مدار سياسته. ولهذا فإن المشكلة كانت ستنفجر مع الرئيس بري، وأن تأخر توقيت الإعلان عنها عبر إشهار الخلاف والتباعد خلال الأيام الماضية.
اعتاد حزب الله، منذ تسلمه الوصاية الأمنية والسياسية على لبنان بعد انسحاب جيش الأسد، أن يضع المسؤولين الكبار تحت وصايته وفي جيبه، وأن يكون متأكداً من طواعيتهم وانسجامهم مع ما يريد من دون لف أو دوران.
ما من شك، أن قمة الانسجام والراحة في العلاقة والممارسة السياسية والأمنية بين الحزب والرئاسة، كانت مع الرئيس العماد إميل لحود. الذي مثل قمة الانسجام والتكامل معه في كل الاتجاهات، ما أسفر عن أكبر تصادم داخلي لبناني، أنتج أكبر وأفدح كارثة سياسية أمنية، تمثلت باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
إميل لحود كرس ومارس ما عرف بالنسبة لحزب الله، بالمعادلة الذهبية المتمثلة بثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، التي أحكم الحزب سيطرته من خلالها على الحكومات في لبنان ولفترة طويلة.
حتى إميل لحود، الذي يمكن تصنيفه أنه كان يوازي أحد قادة وكوادر "سرايا المقاومة" المنتشرة على الأراضي اللبنانية والمكلف بمهمة رئيس جمهورية.. فحتى هذا الرجل "المكاوم" اختلف مع الحزب في أخر أيامه.. حين رفض البقاء في قصر بعبدا، لتعبئة فراغ الرئاسة بانتظار انتخاب رئيس جديد، ولتقويض سلطة الحكومة التي كان على رأسها فؤاد السنيورة، التي حكمت للمرة الأولى بعد خلو سدة الرئاسة حسب نص الدستور.
حتى إميل لحود، الذي مثل قمة الانسجام والطاعة والتقاطع بينه وبين حزب الله وسياسته، اختلف في آخر أيام ولايته مع الحزب، ولم يكن منسجماً معه. والجميع يذكر الزيارات المتكررة الفاشلة للحاج محمد رعد، لمحاولة إقناع لحود بتمديد البقاء في الرئاسة ولم يفلح في ذلك.
قد تكون هذه الواقعة أفضل ما مارسه لحود في الرئاسة الأولى، فأحترم نفسه وعرف حدوده وحدود ما يتيحه الدستور ويسمح به.
كأغلب قادة الجيش، ومنذ الرئيس فؤاد شهاب، باتت هناك سياسة ثابتة للقائد الجالس في اليرزة، وهي أن يرسل إشارات للقوى المسيطرة والفاعلة، برغبته في الانتقال إلى كرسي بعبدا. وهذا ما فعله أيضاً ميشال سليمان الذي ساير ومرر وغض النظر، في أكثر من مكان وقضية وموضع، قبل وصوله إلى الرئاسة الأولى.
لكن الرئيس سليمان، الذي نظر إلى الحصيلة الشاملة لحكمه وعهده بعد تقويض إمكانيات النجاح وتسجيل التقدم، إثر إسقاط وإفشال حكومة سعد الحريري من واشنطن، عمل بجد للخروج من المأزق والمشكلة، باقتراح الحوار في بعبدا لمعالجة معضلة السلاح، الذي عطل كل إمكانية للتنفس في لبنان، وضاق ذرعاً وتبرم من حزب الله وسياسته، وأطلق صرخته المدوية بالخروج على ما اسماه "الصيغة الخشبية" وأعلن الطلاق معه والانفصال عنه.
تأكد لسليمان أنه حتى الحوار البناء والإيجابي الذي أنتج إعلان بعبدا الشهير، لا يستأهل بالنسبة للحزب قيمة الورق الذي كتب عليه، والحبر الذي صرف من أجله، حسب تعبير النائب الحاج محمد رعد يومها، وحدث طلاق بائن وجهاراً بسبب الانقلاب والتنكر لإعلان بعبدا والذي لو طبق يومها، لكنا في مكان آخر اليوم.
لهذه الأسباب كلها، وهرباً من تجربة ميشال سليمان، سهر حزب الله على تقويض إمكانية انتخاب أي رئيس إلا ميشال عون، المرتبط معه والممسك به بتحالف مار مخايل المشهود والمعروفة أهدافه.
بذل الحزب كل ما يمكن من ضغوط وبكل الاتجاهات والوسائل لإقناع سعد الحريري بالموافقة على ما سمي بالتسوية المشؤومة.
لم يُخيب ميشال عون ظن الحزب، فبعد انتخابه مباشرة وفي أول زيارة له إلى القاهرة، أعلن في حديث تلفزيوني مع الاعلامية لميس الحديدي عبر محطة: "سي بي سي"، أن عمل المقاومة مكمل لعمل الجيش اللبناني، طالما أنه لا يملك الامكانيات اللازمة للمواجهة.
عملياً، سدد ميشال عون الفاتورة من أول أيام وصوله، وأعطى الحزب ما أراد من انتخابه. فتمت المقايضة السياسية السلطوية من دون أية عوائق تذكر.
الذي اختلف بين السابق والراهن أن العماد جوزاف عون وصل إلى الرئاسة في ظروف ومعطيات مختلفة عن السابق على كل المستويات.
فمن ساهم في وصوله هي "اللجنة الخماسية"، وعربة الرئيس عون وصلت إلى باحة قصر بعبدا مجرورة بحصانين نشيطين وقويين. واحد أميركي مندفع والآخر سعودي متمكن.
تطورات كبيرة واستراتيجية حصلت، في المدة الأخيرة، تمثلت بنتائج حرب إسناد غزة، التي اغتيل فيها السيد حسن نصرالله وبديله هاشم صفي الدين، وتلقى الحزب بنتيجتها ضربات شديدة القوة أزاحت وأطاحت بكل سرديته الردعية السابقة.
ما زاد في طين مقاربة الرئيس عون بلة، أنه منذ وصوله بدأت البلاد انطلاقة جديدة في أوضاع جيدة ومقبولة وواعدة.
الدول العربية، بدأت تنظر إلى لبنان من زوايا مختلفة واعدة وإيجابية، وظهر أن هناك احتمالات وإمكانيات قوية لبعض التقدم والتحسن على أكثر من مستوى في البلاد، إلى أن اتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بداية شهر رمضان.
مع انطلاق المدافع والطائرات، سارع رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام ومن السراي الكبير، إلى التحذير من مغبة توريط لبنان في أي عمل عسكري.
في أول ايام رمضان، جمع الرئيس نجيب ميقاتي على مائدة إفطار في منزله الرئيسين نبيه بري وجوزاف عون، وقد أبلغ بري رئيس الجمهورية أنه تواصل مع حزب الله وأنهم أبلغوه نيتهم عدم المشاركة في الحرب الدائرة مع إيران.
غادر الحضور كل إلى مخدعه على خبرية الرئيس بري بأن الحرب مستبعدة. لتستفيق البلد على صدى إطلاق رشقة صواريخ حزب الله الست الأولى انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني، ما أعطى العدو المتربص الإشارة والمبرر لإطلاق أوسع عدوان على لبنان المساند لإيران، وبدأت حرب التدمير والتهجير ومحاولة تغيير الخرائط والوقائع.
حادة هي وقوية وصادمة، في بعض الأحيان، مواقف وأقوال وتصرفات رئيس الجمهورية، المندفع والمتأمل بالإنجاز والإنقاذ والخروج من المأزق الذي تعيشه البلاد. لكنها لم تكن إلا ساعات حرجة من الوقت الضائع، لكي ينضم الرئيس بري إلى حزب الله في الزعل من رئيس الجمهورية، الذي يشرف عهده على التحول إلى عهد دمر خلاله الجنوب والضاحية والخردة المتشكلة والمنتشرة أكواماً متشعبة في أغلب أرجاء الوطن.
عارف العبد | المدن