ثمة إيجابية واحدة، ولكنها تكتسب دلالات عميقة وكبيرة، أفضت اليها عاصفة الإساءة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي امس والتي أشعلت موجة استنكارات لها من كل المراجع الدستورية والدينية والروحية والسياسية اللبنانية، وهي ان من أراد من هذه العاصفة المقيتة ان يختبر نموذجا لاشعال الفتنة قد فشل حتما بعد هذا الاختبار العقيم والهابط والمفلس. وبكلام أوضح ، إذا كان "حزب الله" بقرار متعمد من غرف معتمة أراد احداث مزيد من البلبلة الداخلية مستغلا فيديو طاوله وطاول حربه العبثية فرد بعاصفة مقززة من الإساءات للبطريرك الراعي، فهو سمع الرد المدوي. واذا لم يكن تعمد ذلك وعاين ثقافة الحقد والعدوانية لدى شرائح من بيئته فيفترض ان يقف طويلا امام اخطار ما زرعه وأخطار ما يحصده وطنيا ولبنانيا على أوسع المديات على الأقل ولن تمر حينذاك مزاعم "التفلت" في صفوفه ولو صحت لان ذلك سيرتد بمزيد من التداعيات السلبية عليه. حصل ذلك فيما تشهد التطورات الميدانية تدهورا مخيفا واندفاعا إسرائيليا نحو توسيع غير محدود لخطوط التدمير والتهجير ولا شيء يوحي باي لجم ميداني بل ان انهيار وقف النار والهدنة صار امرا واقعا لا يحتاج إلى اجتهادات المجتهدين . واما المسار التفاوضي فلا جديد حياله في انتظار الأسبوع الطالع وسط أجواء تزداد قتامة ولا تحمل أي موشرات واضحة حيال ما يمكن ان يشكل اختراقا في افق الاحتمالات التصعيدية التي تظلل لبنان وتحاصر السلطة فيه.
وفي حين يترقب لبنان نتائج الاتصالات التي تجريها السلطة السياسية مع واشنطن والدول المؤثرة ،على اعلى المستويات لوقف التصعيد المتدحرج في الجنوب، جاء ما نشره جمهور "حزب الله "من صور مهينة للبطريرك الراعي على خلفية الرد على فيديو لـ "المؤسسة اللبنانية للإرسال" طاول الحزب ليصبّ الزيت على النار. وأدى نشر الصوَر المسيئة للبطريرك الراعي، إلى حملة استنكار واسعة وتضامن مع بكركي ارتدت سلباً على الحزب الذي اضطر الى اصدار بيان أهاب فيه "بجمهور المقاومة وأنصارها التنبه إلى خطورة ما يُحاك ضدّ اللبنانيين جميعًا وندعوهم للترفع عن الانجرار إلى ما يرمي إليه أعداء المقاومة، وبالتالي أعداء لبنان عن كامل قصد وتخطيط".
وتوالت المواقف المستنكرة للإساءة الى البطريرك الرعي الذي تلقى سيلاً من الاتصالات المُدينة، فاعتبر رئيس الجمهورية العماد جوزف عون "ان التعرض لرؤساء الطوائف المسيحية والإسلامية والمقامات الروحية في لبنان، عمل مدان ومرفوض نظرا لما يمثله القادة الروحيون من قيم تتجاوز البعد الديني لتلامس البعد الوطني. لذلك يفترض بالجميع عدم المساس بهذه القيم التي تجسد وحدة لبنان وشعبه، فضلا عن أن القوانين المرعية الاجراء تمنع مثل هذه الإساءات وتعاقب مرتكبيها".
ودعا عون الجميع إلى "ابقاء الخلافات في وجهات النظر في إطارها السياسي والترفع عن الإساءات الشخصية، نظرا للانعكاسات السلبية لمثل هذه الممارسات خصوصاً في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد والتي تتطلب تضامناً وطنياً واسعاً".
وأصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بياناً دان فيه "حملات الإساءة والتطاول على الرموز الدينية والوطنية من أي جهة أتى، ومن أي وسيلة كانت ، سواء في الأعلام أو في الفضاء الافتراضي ، داعيا اللبنانيين كل اللبنانيين إلى وعي مخاطر الإنزلاق نحو الفتنة التي لطالما حلم وسعى إليها عدو اللبنانيين المشترك بمسيحييهم ومسلميهم"، قائلاً : "من تجرأ بالأمس على هدم مدرسة ودير الراهبات المخلصيات وكنيسة مارجاورجيوس في يارون وتحطيم تمثال السيد المسيح (ع) في دبل ، وقبلها هدم المسجد الكبير التاريخي في مدينة بنت جبيل، واليوم النادي الحسيني في بلدة الدوير ، هو المنتصر الوحيد في تفرق اللبنانيين عن حقهم وفي إحترابهم فيما بينهم لا سمح الله .وتابع: حذار ثم حذار من الإمعان في فتنة لعن الله من أيقظها، فالمسؤولية الوطنية تفرض على الجميع العمل على وأدها وليس تأجيج نيرانها ، إن السلطات القضائية مدعوة إلى التحرك فوراً لمحاسبة من يهين ويستهين بحرمة وكرامة رسالات الأرض والسماء".
بدوره، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أنه "مهما كان الخلاف السياسي عميقاً، ومع تمسكي بحرية الرأي، لطالما حذرت من الانزلاق إلى أي من أشكال التعبير التي تتضمن الإساءة الشخصية والتجريح والتنمر والتخوين المدانة كلّها، والتي تساهم في شحن النفوس وتأجيج العصبيات". وقال: "أناشد إخوتي وأخواتي المواطنين التحلي بأعلى درجات الوعي ونبذ خطاب الكراهية منعاً لجر البلاد إلى اجواء من الفتنة التي لا تحمد عقباها".
على الأسر توجه "حزب الله" الى جمهوره داعيا إياه للتنبه لما يُحاك، وصدر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله بيان جاء فيه: " نهيب بجمهور المقاومة وأنصارها التنبه إلى خطورة ما يُحاك ضدّ اللبنانيين جميعًا وندعوهم للترفع عن الانجرار إلى ما يرمي إليه أعداء المقاومة، وبالتالي أعداء لبنان عن كامل قصد وتخطيط، وانسجامًا مع أخلاقنا وقيمنا التي عبر عنها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، عندما خاطب أنصاره، بأنه يكره لهم أن يكونوا سبّابين".