أخبار عاجلة

مقالة

من متاهة المقاومة إلى مأزق المفاوضات
08-05-2026 | 09:57

الداعمون لفكرة المقاومة المسلحة في لبنان، في مواجهة إسرائيل، يعتبرون أن المقاومة لتحرير الأرض المحتلة أمر طبيعي، وحق وواجب لا نقاش فيه إزاء عدو محتل. إذ إنَّ الدولة اللبنانية في الأساس ولأكثر من سبب وسبب، أوجدت نتيجة قصورها الخدماتي، وعجزها السياسي وتخلفها المؤسساتي، فراغاً كبيراً. وأتاحت المجال وولدت حالة قصور كبير في التعاطي مع حاجات الناس، وكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل الشعبي والاجتماعي المتوقع، هو العمل على تعبئة الفراغ الحاصل، ومن ثم التقدم إلى ما يسمى المقاومة.


الدولة، تركت الجنوبيين واللبنانيين عموماً إلى مصيرهم من غير قدرة على مواجهة ومعالجة المشكلات في لبنان. مما اضطرهم للبحث عن صيغ بديلة لسد هذا الفراغ، فكانت المقاومة مسألة طبيعية في ما يتعلق بالاحتلال، وبمثابة رد فعل مبرر على الإهمال والتجاهل والضعف الذي ظهر أكثر من مرة.

 

يطرح هذا المنطق نفسه بقوة، في مواجهة السرديات الأخرى المتناثرة والمطروحة المتمسكة بدور الدولة من دون سواها، وخصوصاً في اتجاه المطالبة بوحدانية السلاح.

الدليل على عدم تماسك هذا المنطق، أن الدولة في لبنان بكل مؤسساتها وهيئاتها وقواها المؤتلفة والمختلفة، أثبتت عجزها وقصورها وعدم قدرتها عن حماية حقوق المواطنين ومصالحهم، وكان آخر مثال على ذلك، الأزمة المالية والكارثة النقدية التي تحولت إلى مشكلة اقتصادية واسعة وعميقة، ولا تزال من دون حل واضح وكاف وفعال. ولا تزال الدولة عاجزة وضعيفة ومتراجعة إزاء المعالجة، فكيف بمشكلات مستعصية تتصل بالسيادة والقوى الخارجية الإقليمية والدولية والطموحات المتضخمة في مواجهة إسرائيل من جهة وحزب الله من جهة أخرى.


بسبب هذا الضعف العميق والمتأصل، وذاك العجز التاريخي المتنامي، كان من الطبيعي التفتيش واعتماد وتبني المقاومة المسلحة من قبل حركات وقوى سياسية واجتماعية، والاستناد إلى القوة المسلحة الشعبية لمواجهة إسرائيل ومحاولة التصدي لها وإخراجها من لبنان ومحاولة استعادة الأرض.


الذي جرى، أن ضعف الدولة ذاته سمح وأتاح لقوى إقليمية وفي ظروف متعددة من استغلال هذه المقاومة وتوجيهها واستثمارها في الاتجاهات والأهداف التي تريد. 

ضعف الدولة وارتباكها ومصادرة قرارها، سمح بالتمدد الفلسطيني واتفاق القاهرة المسلح، والقصة معروفة بعد ذلك ونتائجها التي ظهرت في غزو 1982 بعد تضخم دور منظمة التحرير وفصائلها المسلحة. 

الفراغ والضعف الحاصل في دور الدولة المسيطر عليه، والمصادر من أكثر من طرف، والتي تقاطع وتحالف ونسق قسم منها مع إسرائيل الغازية، أفضى إلى انطلاق أعمال مقاومة مسلحة ضد الجيش الإسرائيلي المحتل، حيث أثبتت جدواها وضرورتها وفعاليتها بانسحاب إسرائيل مهرولة ومذعورة من مدينة بيروت.


الأوضاع ذاتها، أغرت وسمحت لسوريا، ومن ثم إيران، للعمل والاستثمار في حركة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل في لبنان.

فحين فكر وقرر الحرس الثوري الإيراني، إرسال ممثلين عنه إلى لبنان، لتأسيس حزب الله، لم يفكر أو يسأل الدولة اللبنانية، بل تم الأمر بتنسيق مع سوريا الأسد.

 

يمكن القول براحة، إن أعمال المقاومة الوطنية المسلحة ضد احتلال إسرائيل أفضت إلى نجاح ظهر في العام 2000 بانسحاب إسرائيل وتطبيق القرار الدولي 425.

عملياً، مرت هذه التجربة في ثلاثة مسارات: أولها وطني وقفت خلفه أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، ثم مرحلة السيطرة والإدارة السورية المباشرة من عنجر وبالحديد والنار والدماء، وصولاً إلى احتكار إدارته بشكل كامل عبر حزب الله، ثم التجديد لهذا المسار، بعد استخراج واستذكار خرائط لبنانية مزارع شبعا المنسية والمهملة لتمديد الصراع والوصاية والإشراف والتدخل.


كان من الواجب على لبنان وحركة المقاومة فيه الممثلة بحزب الله، أن تكتفي بهذا القدر من العمل الوطني والاستثمار الناجح، الذي ثبت ومُهر بخطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله التاريخي، وحديثه عن و"هن بيت العنكبوت الإسرائيلي" من ملعب بنت جبيل.  


الذي جرى بعد ذلك، أن بندقية المقاومة الناجحة انتقلت إلى مرحلة الاستثمار والسيطرة في دعم سياسات الآخرين في التحالف السوري الإيراني المتحد والطامع بنفوذ وتأثير في لبنان والمنطقة ككل.

كان اشتراك وإشراك حزب الله الناجح في تحرير لبنان، ومن ثم في متاهة حروب المنطقة الأهلية، أكبر الأخطاء. وهي السقطة التي وقع وانزلق إليها وفيها حزب الله وأوقع الطائفة الشيعية في لبنان معه، في حفرة استراتيجية من أعمق الحفر والإخفاقات.


تتالت السقطات، غير المبررة من اختطاف الجنود المفتعل من دون مبرر عام 2006 إلى الانزلاق إلى حرب إسناد غزة الخاسرة خسارة فادحة، ومن ثم حرب إسناد إيران الحالية.

 

نجح لبنان وحكومته لظروف وأسباب خاصة جداً في إعادة إعمار ما تهدم في الضاحية والجنوب بعد عدوان 2006 وهي ظروف لن تتكرر بسهولة ويسر.

حجم الدمار الهائل، والخسارة المتدحرجة غير المسبوقة، التي تسبب بها قرار اسناد غزة ومن ثم إسناد إيران مع استمرار العدوان، وضع الدولة اللبنانية المرتبكة أساساً وغير المستعدة، أمام قرار الدخول في المفاوضات مع إسرائيل التي لم تكن ترغب بها أو مستعدة لها.


التفرد في الحرب مع إسرائيل، أضف إلى النتائج الكارثية لهذه الحرب، وضع البلاد أمام خيار المفاوضات مع العدو، التي كان وافق عليها حزب الله، لكي يتم التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية الأول وغير المتوازن في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 ووافقت عليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كان الحزب مشاركاً فيها.  


كل النتائج، والأخطاء والتراكمات الكارثية السابقة الكبيرة والهائلة، وُضعت أمام عهد الرئيس جوزاف عون وشريكه في السلطة التنفيذية نواف سلام، ووضعتهما ووضعت لبنان الرسمي، أمام الأمر الواقع الذي لا مفر منه.

كانت المفاوضات مع إسرائيل وتسمية مدني لرئاسة الوفد المفاوض، المخرج والطريق الذي لا بد من اتباعه والدخول إليه، من دون تردد، أملاً في الخروج من المأزق الذي تسببت به قرارات حزب الله ونتائج هذه القرارات الكارثية، والتي تقارب النكبة الوطنية. 

الذي جرى بعد الخطوة الأولى الاضطرارية للتفاوض مع إسرائيل، سرعان ما أوقع الدولة ولبنان في مأزق صعب هو أيضاً لا فكاك منه بسهولة ويسر.

 

باتت التطورات بعد مأزق تسبب به قرار وتوجه حزب الله، بين يدي سائق فردي متفرد التفكير والمبادرة، مندفع وطنياً متحمس للانجاز والخروج من الورطة، ما أوقع نفسه والبلاد في نتائج قرار متسرع في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل من قبل رئيس الجمهورية، حيث تلقفها دونالد ترامب الهائج المتقلب والباحث عن نتائج سريعة، لن يستطع جوزاف عون تلبيتها لضعف الإمكانيات والاستعدادات.

المادة 52 من الدستور في لبنان تنيط برئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة.

طبعا هذه المادة الدستورية أتاحت للرئيس إطلاق مبادرته للتفاوض المباشر، مع إسرائيل بتسرع، ومن دون دراسة معمقة للقرار، وانعكاساته ومتطلباته وتداعياته. بدليل المطالب التي خرج ويخرج بها دونالد ترامب وسفيره العبقري في لبنان، من محاولة جمعه مع بنيامين نتنياهو هاتفيا، ثم شخصيا، من اجل صورة في البيت الأبيض. مما وضع الرئيس والبلاد أمام مأزق الموافقة التي قد تجلب الثوران والارتباك والفوضى الداخلية، أو الرفض الذي أعلن عنه، وكان الرد عليه بالعودة إلى قصف الضاحية مجددا واغتيال قائد قوة الرضوان.


الراهن، أن استمرار الرئيس عون في رفض طلبات دونالد ترامب، قد يعرض لبنان لمزيد من التوحش الإسرائيلي في الجنوب وبيروت ومناطق وأماكن أخرى محتملة. والموافقة قد تأخذ البلاد والعهد إلى مواجهات داخلية أهلية ليس الأن أوانها. 


ففي أي اتجاه سيسير لبنان، في المقبل من الأيام؟     


عارف العبد | المدن