أخبار عاجلة

مقالة

منشأة "براكة" السلمية ومسيّرات "الكيد" الإيراني
20-05-2026 | 20:22

بثلاث مسيّرات سقطت السردية الإيرانية حول “المقاومة” واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة. سقوطٌ يُضاف إلى سلسلة سقطات فضحها العدوان الإرهابي الإيراني منذ أكثر من شهرين على مرافق مدنية في الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة.


إذن، لا يمكن اعتبار استهداف محطة “براكة” للطاقة النووية السلمية حدثاً أمنياً عادياً يُدرج في سياق الردود العسكرية التقليدية في المنطقة، إذ إن الحديث هنا عن أول محطة طاقة نووية سلمية في العالم العربي، وعن واحد من أكثر المشاريع الاستراتيجية حساسية في الخليج.


منذ 28 شباط/فبراير وحتى اليوم، فشلت إيران في مسعاها لضرب الاستقرار في الإمارات وتصدير نموذج الفوضى والحرب إلى دولة استثمرت في الإنسان قبل ناطحات السحاب، وفي الحياة والازدهار والمؤسسات والمستقبل. كذلك، فشلت طهران في استهداف صورة الإمارات كنموذج للأمان والتنمية والانفتاح. ورغم كل تلك المحاولات الفاشلة، لم ينكفئ الإيرانيون، بل واصلوا محاولات التصعيد والضغط وإرسال الرسائل العسكرية.


لكن لا يمكن التغاضي عمّا يفعله ويواصل فعله النظام الإيراني الإرهابي “المكيود”.


تقع المحطة في منطقة الظفرة بأبوظبي، وتضم أربعة مفاعلات نووية متطورة صُممت لإنتاج ما يقارب 25 في المئة من احتياجات الإمارات من الكهرباء. لم يكن هذا المشروع مجرد استثمار في الطاقة، بل خطوة إماراتية نحو بناء نموذج اقتصادي طويل الأمد قائم على التكنولوجيا والطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على النفط والغاز. ولهذا السبب تحديداً، فإن أي محاولة لاستهداف “براكة” لا تحمل قيمة عسكرية حقيقية، فالمحطة ليست قاعدة جوية أو مركز قيادة أو منشأة قتالية يمكن ربطها بأي عمليات عسكرية مباشرة.


من هنا، فإن توجيه الطائرات المسيّرة نحو منشأة بهذا الطابع يضرب مباشرة السردية التي حاولت إيران تسويقها لسنوات تحت عنوان “الدفاع” أو “المقاومة”، إذ إن استهداف منشأة مدنية للطاقة النووية السلمية يضع هذا العدوان تحت بند الإرهاب ضد البنية التحتية والاستقرار المدني.


استهداف "براكة" لا يمكن عزله عن صراع أوسع بين نموذجين: نموذج يبني المستقبل عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا ونموذج آخر لا يزال يستخدم الفوضى والضغط الأمني كأدوات نفوذ إقليمي

في الحروب التقليدية، يضع المتحاربون نصب أعينهم الأهداف العسكرية والإستراتيجية للخصم، وهي التي تُستخدم في المعركة ضده أو لهذا الغرض. أما “براكة”، فهي واحدة من أكثر المنشآت المدنية سلمية في المنطقة: منشأة تُنتج الكهرباء، وتدعم الاقتصاد، وتجسد فكرة الدولة المستقرة التي تستثمر في المستقبل بدل الانخراط في الفوضى. وهنا تكمن رمزية الهجوم الحقيقية.


لم تهدد الإمارات إيران بالصواريخ أو بالمواجهات العسكرية المباشرة، لكن طهران رأت في النموذج الإماراتي تهديداً لكل ما يمثله نظامها. تهاب إيران نموذج الإمارات القائم على النجاح الاقتصادي، والطاقة النظيفة، والانفتاح، والشراكات الدولية، والاستقرار طويل الأمد. “براكة” واحدة من عدة أمثلة تمثل هذا النموذج لدى دولة قررت أن تدخل قطاعات التكنولوجيا والطاقة النووية السلمية والمعرفة، بانيةً صورة مختلفة عن الشرق الأوسط “النازف” الذي نعرفه.


من هنا، لم يكن استهداف محطة “براكة” استهدافاً لمبنى، بل لفكرة كاملة: أن منطقتنا يمكن أن تنتج نموذجاً مستقراً ومزدهراً خارج منطق الميليشيات والصراعات المفتوحة.


لهذا، فإن استهداف “براكة” لا يمكن عزله عن صراع أوسع بين نموذجين: نموذج يبني المستقبل عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا، ونموذج آخر لا يزال يستخدم الفوضى والضغط الأمني كأدوات نفوذ إقليمي.


في الأثناء، تستمر الإمارات في مسارها؛ مؤسساتها تعمل، اقتصادها ينمو، وشراكاتها الدولية تتوسع، فيما تسقط كل محاولات الترهيب أمام دولة بنت استقرارها على التخطيط والقوة والثقة بالمستقبل.


بقدر خطورة الهجوم، تأتي خطورة التوقيت الذي جاء رغم أجواء التهدئة ووقف إطلاق النار الذي وافقت عليه إيران نفسها. أرادت طهران من هذه العملية توجيه رسالة أبعد من عمل عسكري ظرفي، وأقرب إلى محاولة “ترهيب” للخليج وللإمارات تحديداً عبر تهديد منشآت مدنية حساسة.


صحيح أن الدفاعات الجوية الإماراتية أثبتت جاهزيتها واعترضت التهديدات، لكن البعد الأهم يبقى سياسياً واستراتيجياً، إذ يكشف تحوّلاً خطيراً في طبيعة الصراع الذي انتقل من مواجهة عسكرية تقليدية إلى استخدام البنية التحتية المدنية كورقة ضغط ورسالة سياسية.


فحين تصبح محطات الطاقة والموانئ والمنشآت الاقتصادية أهدافاً، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالحرب فقط، بل بمحاولة ضرب الثقة والاستقرار وإبطاء أي مشروع للتنمية في المنطقة.


تجسد محطة "براكة" السلمية نموذج الإمارات للاستقرار والتنمية فيما يكشف استهدافها بطائرات مسيّرة إيرانية صراعاً بين ثقافة الحياة وثقافة الموت في المنطقة

بالخلاصة، يبدو أن مشكلة النظام الإيراني باتت واضحة للجيران والعالم أجمع. نظام يعادي ما تمثله الدولة الإماراتية سياسياً وحضارياً. هذه الدولة التي بنت نموذجاً يناقض بالكامل النموذج الإيراني في المنطقة. ففيما تعتمد طهران في إستراتيجيتها على إدارة نفوذها عبر الميليشيات والصراعات واستنزاف الدول، اختارت أبوظبي الاستثمار في الاستقرار والانفتاح والطاقة النظيفة والشراكات الدولية، وتحويل نفسها إلى مركز عالمي للاقتصاد والتكنولوجيا والطيران والطاقة.


أما في طهران، فثقافة القتل والدمار تعشّش في ذهن الملالي الذين يسترخصون النفس البشرية في سبيل مصالحهم ويتاجرون بالعقيدة لشحن النفوس وزرع ثقافة الموت لدى الأتباع، فيما هم فعلياً يعيشون في قصور وبذخ تاركين شعباً إيرانياً وبيئة ميليشياتهم مغسولة الدماغ يعيشون في فقر مدقع وبين القبور وفي المآتم في كل مغامرة حربية يقررها النظام الإيراني على حسابهم.


إذن هو صراع بين ميزان الدم وميزان الدولة، بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، بين نموذج الفشل والانهيار ونموذج النجاح. إنها معركة بين الفوضى والاستقرار، وبين الحرب والسلم.


لدى النظام الإيراني، الإنسان واستقرار المجتمعات ومستقبل الأجيال ليست معايير نجاح. القتلى ليسوا خسارة، والدمار ليس فشلاً، والمدنيون ليسوا ضحايا بل جزءاً من “المعادلة”، وإلا لما فرّط النظام الإيراني بأربعين ألفاً من شعبه ممن قتلهم في أعقاب التظاهرات الأخيرة المطالبة بلقمة العيش التي منعها عن أفواههم ليستثمر بالصواريخ.


في المقابل، قدّمت الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مختلفاً جذرياً، حيث تعرّف الدولة قوتها بقدرتها على تجنّب الحروب لا خوضها، ولا تُقاس مكانتها بعدد الجبهات التي تفتحها، بل بعدد الأشخاص الذين تحميهم. ويبقى الإنسان محور سياسة الإمارات التي تستثمر في البنية التحتية، وفي الأمن الداخلي، وفي الاقتصاد والخدمات، وباتت الملاذ الآمن لشعوب المنطقة الهاربين من ثقافة الموت التي فرضها عليهم ما يسمى بـ”محور الممانعة”.


إنه “الكيد” الإيراني الذي استهدف “براكة السلمية”. إنه صراع بين نموذج يستخدم المجتمعات كدروع بشرية والمنشآت المدنية كرسائل سياسية، ونموذج آخر تُبنى سياساته حول حماية الإنسان.


بديع يونس | العربي