على مدى عقود من الزمن، تَدَفّق الدعم المالي والعسكري الإيراني إلى حزب الله بمليارات الدولارات. مبالغ ضخمة كانت كفيلة ليس فقط ببناء ترسانة عسكرية هائلة، بل بإعادة إعمار وتأمين جغرافيا الجنوب اللبناني بأكملها. ومع ذلك، تكشّفت الأزمة الأخيرة عن مفارقة صارخة وصادمة: مئات الكيلومترات من الأنفاق المحصنة والمدججة تحت الأرض لحماية المقاتلين والعتاد، في مقابل صفر من الملاجئ أو البنى التحتية الحمائية للمدنيين والبيئة الحاضنة التي طالما رُرفع شعار حمايتها والدفاع عنها.
اليوم، يجد مئات الآلاف من سكان الجنوب والضاحية أنفسهم في العراء، مشردين في رحلة نزوح قاسية، بينما غابت الخطة الإيوائية المنظمة من قِبل الحزب الذي قادهم إلى هذه المواجهة. وبدلاً من تأمين بدائل آمنة ومدروسة، تم توجيه أعداد كبيرة من النازحين للاستقرار في نقاط ومراكز حساسة للغاية داخل العاصمة بيروت، على مقربة من السراي الحكومي وأبرز الوزارات والإدارات الرسمية، مما أثار تساؤلات سياسية وأمنية حادة حول التوقيت والأهداف.
الأنفاق للمقاتلين.. والعراء للمدنيين
وفقاً للتقارير العسكرية والميدانية، أنشأ حزب الله شبكة أنفاق معقدة وعميقة تحت طوق قرى الجنوب والبلدات الحدودية، جُهّزت بمجاري تهوية، مخازن سلاح، وممرات آمنة تمتد لمسافات شاسعة. هذا الاستثمار الهائل في الحماية التحت-أرضية اقتصر حصراً على الكادر العسكري.
في المقابل، لم تشهد أي بلدة جنوبية بناء ملجأ عام واحد يحمي المدنيين من الغارات الجوية، رغم أن العقيدة المعلنة للحزب تقوم أساساً على محاربة إسرائيل وتَوقُّع الحرب في أي لحظة. هذه المعادلة جعلت الحاضنة الشعبية خط الدفاع الأول والمكشوف، والضحية الأكبر عند اندلاع المواجهة الشاملة.
الانتشار في المربع الحكومي: ضرورة أم استراتيجية؟
مع غياب خطة الطوارئ الإيوائية من قِبل قيادة الحزب، تشتت مئات الآلاف من النازحين في مختلف المناطق اللبنانية. لكن اللافت كان تركيز عمليات الإيواء العشوائية والموجّهة في قلب العاصمة بيروت، وتحديداً في محيط السراي الحكومي والمقار الوزارية السيادية.
يرى مراقبون في هذا الانتشار أبعاداً تتجاوز مجرد البحث عن مأوى، حيث يُخشى من تحويل هذا النزوح الإنساني إلى ورقة ضغط سياسي وأمني مباشر على القرار الرسمي اللبناني، وعزل مراكز القرار في الدولة تحت وطأة الأمر الواقع السكاني الجديد.
تشريد البيئة الحاضنة: أهو أنانية أم استراتيجية مقصودة؟
أمام هذا المشهد القاتم، يبرز السؤال الجوهري الذي يتردد في صالونات السياسة والشارع اللبناني على حد سواء: هل كان تشريد هذه البيئة مقصوداً، أم هو نتاج أنانية وحسابات خاطئة؟
لتحليل هذه المعضلة، ينقسم القراء والمحللون إلى قراءتين أساسيتين:
فرضية الأنانيّة وسوء التقدير: تنطلق هذه الرؤية من أن الحزب عاش لسنوات في فائض القوة والغرور العسكري، واعتقد أن ترسانته الصاروخية ستشكّل رادعاً يمنع إسرائيل من شن هجوم شامل يدمر القرى ويهجّر السكان. بناءً على ذلك، استأثرت الآلة العسكرية بكل الدعم المالي الإيراني، وجرى إهمال الجانب الإنساني والمدني كنوع من الأنانية الحزبية التي تقدم مصلحة التنظيم ومقاتليه على سلامة المجتمع الحاضن له.
فرضية الاستراتيجية المقصودة (التوظيف السياسي للنزوح): تذهب هذه القراءة إلى أبعد من ذلك، وترى أن تشريد البيئة الحاضنة وجعلها مكشوفة بلا ملاجئ قد يكون سلوكاً مقصوداً في العقيدة القتالية للحزب. فالألم الإنساني، وصور الأطفال والنساء المشردين، والنزوح الكثيف نحو العاصمة والمناطق الأخرى، يُستخدم كأدوات للضغط:
1. محلياً: لفرض عبء مالي واجتماعي وأمني على الدولة اللبنانية وبقية المكونات لطمس أي صوت يعارض الحرب.
2. دولياً: لاستدرار العطف الإنساني والضغط على المجتمع الدولي لوقف إطلاق النار دون تقديم تنازلات عسكرية.
في المحصلة، دفع المواطن الجنوبي هويته وأمنه واستقراره ثمناً لخيارات عسكرية أُقحم فيها دون وجود أدنى مقومات الحماية والتحصين. وسواء كان المشهد الحالي نتاج أنانية مفرطة في تقدير القوة وإهمال المدنيين، أو استراتيجية مدروسة لتوظيف الوجع الإنساني في الصراع الإقليمي، فإن النتيجة واحدة: مئات الآلاف بلا مأوى، ودولة مستنزفة، وبيئة كاملة تدفع ثمن الأنفاق التي حُفرت لغيرها.
المراقب