أخبار عاجلة

تكنولوجيا

تاريخ الطائرات المسيرة: من عبقرية نيكولا تسلا إلى سلاح الاغتيالات الأول
31-05-2026 | 00:08

من منطاد ملغوم في القرن التاسع عشر إلى طائرات بريداتور التي تحلق في القرن الحادي والعشرين شهدت التكنولوجيا العسكرية تحولا جذريا أعاد تشكيل مفهوم الحروب الحديثة. الطائرات المسيرة أو الدرون لم تظهر فجأة نتيجة عبقرية شخص واحد في مختبر مغلق بل هي نتاج تطور تراكمي تداخلت فيه الحاجة العسكرية مع الطموح العلمي.


هذا التقرير يستعرض القصة الكاملة لظهور الطائرات المسيرة ومن يقف وراء ابتكارها الأصلي وكيف تحولت من مجرد أداة للاستطلاع أو التدريب إلى أحد أخطر الأسلحة الفتاكة في العصر الحديث.

من هو المخترع الحقيقي للطائرة المسيرة؟

للإجابة عن هذا السؤال بدقة يجب تفكيك الطائرة المسيرة إلى عنصريها الأساسيين وهما التحكم اللاسلكي عن بعد والطيران الآلي دون طيار. بناء على هذا الدمج مر الابتكار بمحطات رئيسية.


الأب الروحي للفكرة.. نيكولا تسلا عام 1898

يعود الفضل الأول في وضع الأساس العلمي للتحكم عن بعد إلى العبقري نيكولا تسلا. ففي عام 1898 استعرض تسلا في حديقة ماديسون سكوير بنيويورك قاربا صغيرا يتم التحكم فيه عبر الموجات الراديوية اللاسلكية. وفي براءة الاختراع التي سجلها حينها أشار تسلا بوضوح إلى أن هذه التكنولوجيا يمكن تطبيقها مستقبلا على المركبات الطائرة لأغراض الاستطلاع أو حتى الحروب.


المحاولات الأولى في الحرب العالمية الأولى

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى قاد المخترع البريطاني أرشيبالد لو مشروعا طموحا عام 1916 لبناء طائرة هدف هوائية موجهة بالراديو لحساب الجيش البريطاني وهو ما يجعله أول من صمم نظام توجيه لاسلكي لطائرة. وفي الوقت نفسه بالولايات المتحدة كان المخترعون بيتر هويت وإلمر سبيري يطورون طائرة هويت سبيري التلقائية والتي كانت تعتمد على الجيروسكوب لضبط توازنها والطيران آليا لمسافات محددة.


ولادة مصطلح درون.. طائرة الملكة النحل عام 1935

إذا أردنا تعريف الطائرة المسيرة بمفهومها المعاصر كمركبة جوية قابلة لإعادة الاستخدام والتحكم بها عن بعد فإن الابتكار الحقيقي يعود إلى وزارة الطيران البريطانية. ففي عام 1935 أنتج البريطانيون طائرة دي هافيلاند الملكة النحل وهي طائرة ذات جناحين يتم التحكم فيها بالراديو واستخدمت كأهداف متحركة لتدريب قوات الدفاع الجوي على الرماية. ومن اسم هذه الطائرة اشتق مصطلح درون الذي يعني لغويا ذكر النحل في اللغة الإنجليزية.


من الذي حول الطائرة المسيرة إلى سلاح فتاك؟

رغم أن المحاولات الأولى لصناعة طائرات دون طيار كانت مدفوعة برغبات عسكرية إلا أن تحويلها إلى منصة قادرة على إطلاق الصواريخ بدقة وتوجيه ضربات قاتلة مر عبر مراحل تاريخية مختلفة.

الأجداد الأوائل للطائرات الانتحارية

في عام 1849 أطلقت البحرية النمساوية حوالي مئتي منطاد محمل بالقنابل الحارقة فوق مدينة البندقية الإيطالية ورغم أن الرياح غيرت مسار معظمها إلا أنها كانت المحاولة الأولى المسجلة لاستخدام مركبة غير مأهولة للهجوم جوًا. وفي عام 1918 صمم الأمريكي تشارلز كيترينغ ما عرف باسم حشرة كيترينغ وهي طائرة صغيرة بدون طيار تحلق بمؤقت زمني ينفصل عند انتهائه الجناحان لتسقط الطائرة المحملة بالمتفجرات على الهدف وهي الفكرة التي طورها النازيون لاحقا في الحرب العالمية الثانية عبر صواريخ في ون الموجهة.


أب المسيرات الحديثة.. أبراهام كارم

في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي هاجر المهندس الإسرائيلي أبراهام كارم إلى الولايات المتحدة وأسس شركة لتطوير الطائرات المسيرة. نجح كارم في ابتكار طائرات مثل الباتروس ثم أمبر وتميزت تصميماته بالقدرة العالية على البقاء في الجو لعشرات الساعات بفضل خفة وزنها وديناميكيتها الهوائية. اشترت الحكومة الأمريكية شركته لاحقًا وطورت تصاميمه لتنتج الطائرة الشهيرة إم كيو ون بريداتور والتي استخدمت في التسعينيات لأغراض التجسس والاستطلاع الجوي غير المسلح فوق البلقان.


المحطة الفاصلة.. وكالة المخابرات المركزية والجيش الأمريكي عام 2000

اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الطائرة المسيرة إلى سلاح اغتيال موجه بدقة جاءت ضمن برنامج مشترك بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وسلاح الجو الأمريكي تحت اسم عيون أفغانستان.

كانت الولايات المتحدة تبحث عن وسيلة لتعقب وتصفية قادة تنظيم القاعدة في أفغانستان دون المخاطرة بحياة الطيارين. وفي عام 2000 بدأت تجارب عسكرية لتعديل أجنحة طائرة الاستطلاع بريداتور لتمكينها من حمل صواريخ هيلفاير الموجهة بالليزر والمضادة للدروع.


في فبراير من عام 2001 جرت أول تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ حقيقي من طائرة بريداتور في قاعدة نيلبس الجوية بنيفادا. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة وتحديدا في نوفمبر من عام 2001 نفذت الولايات المتحدة أول ضربة هجومية قاتلة بطائرة مسيرة مستهدفة القائد العسكري لتنظيم القاعدة محمد عاطف في أفغانستان لتبدأ بذلك الحقبة الرسمية لحروب الطائرات المسيرة التي نعيشها اليوم.