ثمة فكرة تتردد كثيراً في النقاشات العامة، وتكاد تكون مغرية للكثيرين: هل يعقل أن هناك جهات سيادية أو منظمات خفية تحتفظ بأحدث الابتكارات التكنولوجية لنفسها، بينما لا تسمح لنا باستخدام الهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلا لأنها انتقلت بالفعل إلى تكنولوجيا تسبقنا بقرون؟
تستند هذه الفرضية إلى شواهد تاريخية واضحة؛ فالإنترنت، ونظام تحديد المواقع، وتقنيات التعرف على الصوت، بدأت جميعها كمشاريع عسكرية سرية للغاية قبل عقود من وصولها إلى المستهلك العادي. ولكن، هل ما زالت هذه القاعدة تنطبق على عالمنا اليوم؟
تشير الحقائق الاقتصادية والتقنية الحديثة إلى أن الواقع قد انقلب تماماً؛ فالأجهزة التي تحملها في جيبك اليوم، والخوادم السحابية العامة، تمثل سقف ما توصلت إليه البشرية من تطور، ولا توجد تكنولوجيا فضائية مخبأة في غرف مظلمة.
كيف أطاح السوق الاستهلاكي باحتكار الحكومات؟
في منتصف القرن العشرين، كانت الحكومات مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تملك الميزانيات الأكبر، وبالتالي احتكرت التكنولوجيا المتقدمة مثل مشروع الهبوط على القمر. أما اليوم، فقد تبدلت الأدوار تماماً لصالح الشركات العملاقة لعدة أسباب:
قوة رأس المال الاستهلاكي: تُقاد صناعة التقنية اليوم بترليونات الدولارات التي يضخها المستخدمون يومياً. ميزانيات البحث والتطوير لدى شركات مثل أبل، مايكروسوفت، غوغل، وإنفيديا تتجاوز ميزانيات الدفاع لأغلب دول العالم مجتمعة. هذه الشركات قادرة على جذب ألمع العقول لأنها تمتلك نموذج عمل يدر أرباحاً هائلة من مليارات البشر.
تحدي النطاق والقدرة الإنتاجية: إن بناء مصنع لإنتاج رقائق إلكترونية متطورة يتطلب تكلفة تتجاوز عشرين مليار دولار. كما أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة يحتاج إلى ملايين الرقائق المتخصصة وشبكات طاقة كهربائية ضخمة. لا يمكن لأي مخبأ عسكري سري أن يحاكي سلاسل التوريد العالمية المعقدة اللازمة لتشغيل هذه التقنيات.
البرمجيات مفتوحة المصدر: أصبحت السرعة هي العامل الحاسم. إذا قامت وكالة استخباراتية بتطوير خوارزمية برمجية عبقرية في السر، فإن مجموعة من المطورين الشباب على منصات مثل غيت هاب غالباً ما سيتوصلون إلى الفكرة ذاتها ويطورونها بشكل مستقل خلال فترة وجيزة.
ما الذي يحتفظون به لأنفسهم إذاً؟
هذا لا يعني أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لا تملك أسراراً، لكن الفارق لا يكمن في مستقبيلية التكنولوجيا، بل في طبيعة الاستخدام، وحجم البيانات، وصلاحيات الوصول.
ما يعتقد الجمهور أنهم يمتلكونه: ذكاء اصطناعي خارق وواعي بذاته.
ما يمتلكونه بالفعل في الواقع: مراكز بيانات عملاقة خاصة تشغّل خوارزميات لفرز ملايين الصور الفضائية والاتصالات المخترقة.
ما يعتقد الجمهور أنهم يمتلكونه: أسلحة طاقة خيالية وتقنيات تخفي.
ما يمتلكونه بالفعل في الواقع: أنظمة حرب إلكترونية متطورة للغاية قادرة على تشويش اتصالات دول كاملة أو اختراق البنى التحتية الحساسة.
ما يعتقد الجمهور أنهم يمتلكونه: حواسيب كمية خارقة قادرة على اختراق كل شيء.
ما يمتلكونه بالفعل في الواقع: أنظمة تشفير كمي مبكرة تهدف لحماية أسرار الدولة قبل نضوج الحوسبة الكمية التجارية.
ما يعتقد الجمهور أنهم يمتلكونه: أجهزة ذكية سرية سابقة لعصرها.
ما يمتلكونه بالفعل في الواقع: تقنيات اتصال مصفحة ومقاومة للإشعاعات، تبدو بدائية وضخمة لكنها تصمد في الحروب النووية.
السلاح السري الحقيقي: البيانات وليس الأجهزة
إذا كان هناك فجوة حقيقية بين ما تملكه الحكومات وما يملكه الأفراد، فهي لا تكمن في المعدات أو البرمجيات، بل في البيانات.
تمتلك وكالات الاستخبارات صلاحيات للوصول إلى تدفقات بيانات هائلة ومصنفة سرية، مثل المراقبة المستمرة عبر الأقمار الصناعية، وقواعد البيانات البيومترية، والتنصت على الإشارات الرقمية، وهي بيانات يحظر القانون على الشركات المدنية جمعها. وبما أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تعتمد في قوتها على حجم البيانات التي تتدرب عليها، فإن تفوق الأنظمة الحكومية في بعض الأحيان يعود إلى حجم ونوعية المعلومات المتاحة لها، وليس لأنها تمتلك شفرة سحرية من المستقبل.
إننا لا نستخدم بقايا تكنولوجيا الأمس؛ بل نعيش في ذروة ما يمكن للعقل البشري إنتاجه حالياً لأن السوق العالمي يفرض ذلك بقوة المال والمنافسة. ما تبقيه السلطات سراً ليس شكلاً من أشكال تكنولوجيا الخيال العلمي، بل هو الكيفية الاستراتيجية، والتي تكون مخيفة أحياناً، التي يختارون بها توظيف التكنولوجيا المتاحة بين أيدينا جميعاً.