دخلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد الكلامي والعسكري، بعدما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً بتوجيه ضربات قاسية إلى إيران، إذا لم تنتهِ المفاوضات إلى اتفاق وفق الصيغة التي أرسلها إلى باكستان. وجاء التهديد بعد تعثّر واضح في مسار التفاوض، وبعد سلسلة من الرسائل المتبادلة التي كشفت أن الطرفين لا يزالان عند نقاط الخلاف الأساسية، رغم استمرار الوساطات القطرية والباكستانية الحثيثة لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ترامب قال إن إيران «أخذت وقتاً طويلاً في التفاوض»، وإنها «ستدفع الثمن»، مضيفاً أن الولايات المتحدة قد تضرب إيران «بقوة كبيرة» إذا لم يتم إنجاز الاتفاق. لكن كلامه، وكذلك كلام وزير الدفاع بيت هيغسيث، بقي مشروطاً بمسار التفاوض ولم يخرج كإعلان حرب نهائي؛ لأن الرئيس الأميركي ربط التهديد بفشل الاتفاق، وتحدّث في الوقت نفسه عن أن الفرصة لا تزال قائمة أمام إيران إذا قبلت بالشروط المطروحة، بما يعني أن التصعيد العسكري ما زال جزءاً من الضغط على طاولة التفاوض لا بديلاً نهائياً منها.
في المقابل، ردّت طهران بأن قواتها جاهزة للردّ بقوة على أي هجوم جديد، وأنها لن تفاوض تحت النار ولا تحت التهديد. وتقول المصادر الإيرانية إن أي اتفاق لا يمكن أن يولد بينما تستمرّ الضربات الأميركية والإسرائيلية، ولا يمكن أن يقتصر على الملف النوويّ أو الملاحة في هرمز من دون معالجة الملفات التي تعتبرها طهران جزءاً من الأزمة، وفي مقدّمتها العقوبات والأرصدة الإيرانية المجمّدة ووقف التصعيد الإسرائيلي في لبنان.
وبالتوازي مع التصعيد، نشطت الوساطات الإقليمية؛ فقد تحدثت تقارير غربية عن وصول وفد قطريّ إلى طهران لمتابعة الاتصالات الهادفة إلى منع الانفجار، فيما سبق ذلك تحرك باكستاني بارز تمثل بتمديد زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران ولقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وتتعامل إسلام آباد مع نفسها كقناة رئيسية بين واشنطن وطهران، بينما تتحرّك الدوحة على خط التهدئة العاجلة ووقف التصعيد.
أما قضايا التعثر، فتبدأ من ملف مضيق هرمز، حيث تطالب واشنطن بعودة الملاحة غير المشروطة، بينما تعتبر إيران أن ما جرى خلال الحرب أثبت أن المضيق صار ورقة تفاوض لا يمكن شطبها ببيان أميركي. وتضاف إلى ذلك مسألة الأرصدة الإيرانية المجمّدة، وهي عقدة حساسة بالنسبة إلى ترامب؛ لأنه يخشى أن يُتهم بتكرار ما كان قد اتهم به باراك أوباما عند إبرام الاتفاق النووي السابق، أي تقديم أموال لإيران مقابل اتفاق سياسي. ولذلك يبدو ترامب متشدداً في طريقة إخراج هذا البند، حتى لو كان يعرف أن طهران لن توقع اتفاقاً لا يتضمن معالجة واضحة لأصولها المجمدة.
العقدة الثانية هي لبنان؛ لأن إيران تصرّ على أن أي وقف للنار أو اتفاق إقليمي يجب أن يلحظ وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، بينما ترفض واشنطن وتل أبيب تحويل لبنان إلى جزء معلن من الاتفاق مع إيران. هنا يظهر حساب ترامب الداخلي أيضاً؛ فهو لا يريد أن يصطدم مع بنيامين نتنياهو واللوبي المؤيد لـ»إسرائيل» في واشنطن، ولا أن يبدو كمن يمنح إيران ثمناً سياسياً في لبنان مقابل اتفاق نوويّ أو تفاهم حول هرمز.
لهذا جاءت تهديدات اليوم في لحظة مركبة؛ من جهة تعثر تفاوضي، ووساطات ساخنة، ومن جهة مقابلة رسائل عسكرية متبادلة، وضغط أميركي لتحسين شروط الاتفاق لا لإعلان نهاية التفاوض. غير أن الرد الإيراني الواضح بأن طهران جاهزة للحرب إذا فُرضت عليها، لكنها لن توقع تحت النار، يجعل الساعات المقبلة مفتوحة على اختبار حقيقي: هل تبقى التهديدات وسيلة ضغط، أم تتحوّل إلى حرب تزيد شروط التفاوض تعقيداً بدلاً من حلها؟
وفقاً لمصادر متابعة لملف الحرب والتفاوض، تتراوح التقديرات حول المرحلة المقبلة بين ثلاثة احتمالات رئيسية: الأول أن تنجح الوساطات القطرية والباكستانية في إنتاج صيغة مؤقتة تسمح باستئناف التفاوض عبر تسوية تطال مصير القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدمتها الأرصدة الإيرانية ولبنان، مقابل تهدئة متبادلة. والثاني أن يبقى الوضع في منطقة وسطى تجمع بين التهديدات المتصاعدة والرسائل العسكرية المحدودة من دون انتقال إلى حرب شاملة، بما يسمح للطرفين بمواصلة التفاوض على صفيح ساخن. أما الاحتمال الثالث فهو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة نتيجة فشل التوصل إلى مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين.
غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الجميع؛ لأن الحرب لن تحسم بالضرورة القضايا التي عطلت التفاوض، بل قد تُعيدها إلى الطاولة بصورة أكثر تعقيداً. فملفا الأرصدة الإيرانية ولبنان سيبقيان قائمين بعد الحرب كما هما قبلها، بينما تضاف إليهما تداعيات محتملة على هرمز وأسواق الطاقة وأمن المنطقة. ولذلك تبدو المفارقة أن الفشل في التوصل إلى اتفاق قد لا يقود إلى تسوية بشروط أفضل، بل إلى جولة صراع تنتهي بالعودة إلى النقاط نفسها التي يتعثر عندها التفاوض، ولكن من موقع أكثر كلفة.
فيما تتجه الأنظار الدولية إلى سلوك الولايات المتحدة الأميركية حيال مسار المفاوضات مع إيران، تترقب الأوساط السياسية المحلية التداعيات العسكرية والسياسية في ضوء غموض يلفّ مصير جلسات التفاوض بين السلطة اللبنانية والحكومة «الإسرائيلية» في واشنطن، في ظلّ مرحلة جديدة وصفتها مصادر سياسيّة مطلعة على موقف محور المقاومة بالمفصليّة لجهة رسم معادلات الردع وتثبيت التوازنات العسكرية والأمنية والسياسية في لبنان والإقليم.
وأشارت المصادر لـ»البناء» إلى أنّ جبهة المقاومة في المنطقة متراصّة ومتماسكة وأظهرت صموداً هائلاً ضدّ أعتى وأشرس حرب تشهدها المنطقة ورسخت معادلات جديدة ستلقي بتداعياتها على مختلف دول الخليج والشرق الأوسط، مؤكدةً أنّ الولايات المتحدة خسرت الحرب وعليها أن تدفع الأثمان العسكرية والأمنية والسياسية والمالية والاقتصادية، فيما محور المقاومة مستعدّ لمواجهة أيّ عدوان في مختلف الساحات، وهو أضاف إلى جبهة إيران وغزة والعراق واليمن ولبنان ومضيق هرمز جبهة مضيق باب المندب، حيث أعلنت حركة أنصار الله إقفال المضيق على السفن العابرة من الموانئ «الإسرائيلية» وإليها، جازمةً بأن لا عودة إلى الوراء ولا سبيل إلا المقاومة حتى تحقيق الانتصار وإفشال المشاريع الأميركية – الإسرائيلية مهما طال الوقت وعظمت التضحيات.