أخبار عاجلة

مقالة

من الإسناد إلى الانقلاب
19-06-2026 | 10:11

أغلب الوقائع السياسية والعسكرية، والمواقف منها، والنتائج التي خرجت بها، تدل أننا نمر بمرحلة مفصلية، تغييرية كبيرة، أساسها حدث مركزي متمثل بفشل الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الإمبراطورية وأقوى دولة في العالم، بالتعاون مع إسرائيل، في تحقيق الأهداف التي رسمتها وقررتها في حربها على إيران، الدولة الثيوقراطية الإقليمية الكبيرة، دولة ولاية الفقيه.

حالة الصراع والمواجهة بين الطرفين، لا تزال قائمة ومستمرة خلال الفترة المقبلة وبأساليب ووسائل متغيرة، تتقدم وتتأخر حسب قدرات ومصالح الطرفين. 

 

الراهن، أن لبنان في قلب هذه المعادلة، وقلب هذه الحرب والمواجهة الجهنمية، التي فرضت عليه. وزُج وأُقحم فيها من دون إرادته أو موافقة شعبه أو رغبته، عن طريق وكيل إيران العسكري في لبنان، ألا وهو حزب الله، أكبر قوة مسلحة ميليشياوية عقائدية غير رسمية في هذا البلد، الذي يكاد يوازي ويفوق في تسليحه وتدريبه وإمكانياته الجيش اللبناني الوطني، الذي يحظى بدعم وثقة أغلبية اللبنانيين. 

المسألة الرئيسية، أن حزب الله المتأثر بطبيعة الحال والمرتبط بالنتائج والوقائع الجارية، يتحضر لهجوم وانقلاب مضاد على الدولة وباقي القوى المعارضة له من دون تأخير أو إهمال.

مسألة التدهور وخروج المشكلة إلى العلن وانفجار المعضلة المقبلة بأزمة جديدة، لا يمكن تحديد موعدها من الآن، إلا أنه لا يمكن اعتبار أنها بعيدة وغير آتية. 

قبل اندلاع حرب إسناد إيران الراهنة، في الثاني من آذار الماضي "ثأراً للدم الزاكي للإمام علي الخامنئي"، حسب البيان الشهير لحزب الله، أعلن وجاهر قادة من الحزب، أن العمل والأولوية يجب أن تكون للانقلاب على السلطة والحكومة الراهنة برئاسة نواف سلام، وإجبارها على العودة عن القرارات التي اتخذتها وأعلنت عنها، وهي تحديداً قرار حصر السلاح بيد الدولة، وقرار حظر الأنشطة العسكرية للحزب، إضافة إلى قرارات أخرى، أبرزها رفض المشاركة في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن.

   

اليوم وبعد توقف هذه الحرب، والإعلان عن مذكرة التفاهم المشتركة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية لوقف الحرب، وتنظيم الخلاف بين البلدين، وبمجرد اتضاح فشل أميركا وإسرائيل في تحقيق أهدافهما الأساسية بإسقاط النظام في إيران، وإخضاع دولته وتطبيق شروطهما المعلنة.. بدأت وسائل إعلام الحزب والقيادات الملتفة حوله تعلن عن الذي تريده من دون وجل أو تردد.

وسائل اعلام محسوبة على حزب الله، وناطقة باسمه، حددت الشروط والأهداف المقبلة، والتي تتمثل بالنقاط التالية:

أولاً: إجراء تعديل على الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، بإسقاط واستبدال أكثر من وزير في صفوفها، أولهم وزير الخارجية يوسف رجي، كما وزير العدل عادل نصار، بسبب موقفيهما واجراءاتهما المعادية والمواجهة لحزب الله.

وفي حال تعذر إعادة الصياغة الحكومية، عبر تبديل الوزراء المشار إليهم، الانتقال إلى الهدف الثاني، المتمثل بالعمل على إسقاط الحكومة الحالية والضغط لتشكيل واحدة جديدة.

 

الأهم في المقاربة الجديدة، العودة إلى المطالبة بحكومة وحدة وطنية، في محاولة لاستعادة ما تم إسقاطه وإفشاله سابقاً، أي العودة للمطالبة بالثلث المعطل، الذي فرض بعد اتفاق الدوحة 2008.

الأمر لم يقتصر على مواقف إعلامية وتحليلات صحافية، بل تمثل بكلام صريح للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، المعروف بقربه من الثنائي حركة أمل وحزب الله، والذي يعكس في أحيان كثيرة وجهة نظرهما.

قبلان قالها بصراحة: "إذا أراد الرئيس جوزاف عون أن يحكم، فعليه تغيير الحكومة وتكوين شراكة قوية مع الثنائي المقاوم، الذي خاض هذه الحرب بوجه إسرائيل وربحها. كما عليه الخروج من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل الإرهابية التي خسرت حرب القرن، والرئيس عون مطالب بالعودة للوحدة الوطنية ومفهومها التأسيسي بما في ذلك التمثيل الحكومي الوطني".

أضاف الشيخ قبلان: "زمن الشروط الأميركية انتهى، ومشروع صهيَنة لبنان تمَّ دفنه مع خسارة الصهاينة لهذه الحرب الكبرى".

المشكلة لا تقف عند كلام الشيخ قبلان عالي السقف، بل تنتقل إلى مقالة النائب الحاج محمد رعد في صحيفة "الأخبار"، حيث أشار بشكل موارب إلى إعادة النظر في الطائف حين قال: "المشكلة تظهر أعمق بكثير من ذلك... إنها مشكلة هوية وطنية مُلتبسة، يصبح معها الوطن مُلتبساً والدولة أكثر التباساً".

 

النائب رعد، ومن دون أن يسمي، اتهم الفريق المفاوض -أي الدولة- بالتآمر مع العدو حين قال: "أياً تكن الخلافات حادّة بين المنتمين إلى وطن واحد، لن يقتنع أحد أن حدّة الخلافات الداخلية تدفع فريقاً أو فريقين من اللبنانيين ليتواطآ فعلاً وتوجّهاً مع عدو الوطن ضد الفريق الذي يختلفان معه في الداخل".

ويختم النائب رعد ليلمح إلى نية إعادة النظر في كل الأمور، ويقول: "هذا المشهد وحده يكفي لإعادة النظر في الكثير من المسائل التصالحية التي حصلت، وفي الأسس التي يجري في ضوئها - ولو شكلاً وانتقاءً - تسيير أمور البلاد".

متى سيكون التوقيت، وكيف سيدرس، وهل سيتم استخدام الوسائل الديمقراطية السلمية المصرح بها، أم استخدام الوسائل العسكرية أو سيتم الدمج بين الوسيلتين؟

ساعة الانقلاب آتية لا ريب فيها، أما متى وكيف، فما علينا إلا المتابعة والانتظار! 


عارف العبد - المدن