أخبار عاجلة

مقالة

‎الفدرالية في لبنان: طوق نجاة أم خطوة نحو التقسيم؟
14-07-2026 | 17:05


‎شهدت الساحة السياسية اللبنانية في السنوات الأخيرة نقاشات محتدمة حول طبيعة النظام السياسي الأنسب لبلد يتميز بتنوعه الطائفي والثقافي الفريد. ومع توالي الأزمات الاقتصادية والسياسية، برز مصطلح الفدرالية كأحد الحلول المقترحة للخروج من النفق المظلم. فما هي الفدرالية؟ وكيف يمكن تطبيقها في الواقع اللبناني؟ وما هي أبرز حسناتها وسيئاتها؟


‎مفهوم الفدرالية: الاتحاد في ظل التنوع الفدرالية هي نظام سياسي يقوم على تقسيم سلطات الحكم بين حكومة مركزية وحكومات محلية أصغر (ولايات أو أقاليم). بموجب هذا النظام، تحتفظ الحكومة المركزية بالصلاحيات السيادية الكبرى مثل الدفاع، السياسة الخارجية، والعملة الوطنية، في حين تمنح الأقاليم المحلية صلاحية إدارة شؤونها الداخلية مثل التعليم، الصحة، الأمن المحلي، والجباية والإنماء.


‎كيفية تطبيق الفدرالية في لبنان تطبيق هذا النظام في لبنان ليس بالأمر السهل نظراً للتداخل الجغرافي بين الطوائف، ولكن هناك طرحان رئيسيان يتداولهما الخبراء:

‎الفدرالية الجغرافية: وتعتمد على تقسيم لبنان إلى مقاطعات أو كانتونات بناءً على التوزيع الجغرافي والديمغرافي الحالي (مثل مقاطعة جبل لبنان، مقاطعة الجنوب، مقاطعة الشمال، ومقاطعة البقاع)، بحيث تتمتع كل مقاطعة باستقلال إداري ومالي واسع.

الفدرالية الشخصية أو الطائفية: نظراً لأن بعض المناطق اللبنانية مختلطة ويصعب فرزها جغرافياً، يطرح البعض فدرالية غير جغرافية، بحيث تتبع كل مجموعة طائفية لمجلس يمثلها ويدير شؤونها الثقافية والتعليمية والأحوال الشخصية، بغض النظر عن مكان إقامة الفرد.


‎وفي كلا الحالتين، تبقى بيروت عاصمة اتحادية تحتضن البرلمان المركزي، الحكومة الاتحادية، والجيش اللبناني لحماية الحدود.

‎حسنات النظام الفدرالي للبنان يرى المؤيدون للفدرالية أنها تقدم حلولاً عملية لمعضلات لبنان المزمنة، ومن أبرز إيجابياتها:


‎تخفيف الاحتقان الطائفي: من خلال منح كل المكونات الطائفية الطمأنينة وحق إدارة شؤونها الذاتية دون خوف من هيمنة طرف على آخر. الإنماء المتوازن: تتيح لكل منطقة استغلال مواردها المالية وجبايتها لتطوير بنيتها التحتية مباشرة، بدلاً من انتظار الموازنات المركزية المعطلة. الاستقرار السياسي: تمنع التعطيل المستمر لقرارات الدولة؛ فإذا تعطلت الحكومة المركزية، تستمر الأقاليم في تسيير حياة المواطنين اليومية. تثبيت التعددية: الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي بدلاً من محاولة فرضه بالقوة في قالب مركزي فاشل.

سيئات ومخاطر الفدرالية في لبنان في المقابل، يرى المعارضون أن الفدرالية تشكل خطراً داهماً على وحدة البلاد، ويحذرون من عيوبها:

‎مقدمة للتقسيم: يخشى الكثيرون أن تكون الفدرالية مجرد خطوة أولى نحو تفكيك لبنان إلى دويلات صغيرة متناحرة. صعوبة الفرز الجغرافي: التداخل السكاني في المدن الكبرى والمناطق المختلطة يجعل رسم الحدود بين الأقاليم قنبلة موقوتة قد تؤدي إلى تطهير عرقي أو طائفي غير مباشر. تكريس الإقطاع السياسي: قد تؤدي الفدرالية إلى تحول أمراء الطوائف إلى حكام مطلقين داخل أقاليمهم، مما يخنق الأصوات العلمانية والتغييرية. إضعاف الهوية الوطنية: ذوبان الهوية اللبنانية الجامعة لصالح الهويات الطائفية والمناطقية الضيقة.

بين واقعية الحل ومخاطر التفتيت، تبقى الفدرالية في لبنان موضوعاً بحاجة إلى حوار وطني هادئ وعميق، بعيداً عن التخوين أو المزايدات، لتحديد ما إذا كان هذا النظام يمثل عقداً اجتماعياً جديداً يحمي الجميع، أم أنه رصاصة الرحمة على صيغة لبنان العيش المشترك.


غرفة التحرير