أخبار عاجلة

مقالة

السبب الحقيقي وراء امتناع أميركا عن سحق إيران
29-07-2026 | 13:23

في وقت تتابع فيه المنطقة بأسرها، ومعها لبنان الواقع في قلب معادلة النفوذ الإيراني، تفاصيل المواجهة الأميركية مع طهران، يطرح تحليل جديد قراءة مغايرة لما يبدو تردداً أميركياً في توجيه ضربات واسعة للبنية التحتية الإيرانية. فالولايات المتحدة، بحسب هذا التحليل، لا تتردد خوفاً من التصعيد فحسب، بل لأنها تخطط للحفاظ على "الأصل" الإيراني ليوم ما بعد النظام الحالي.


وبحسب مقال للمقدم المتقاعد عمّيت ياغور، نُشر في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في 28 تموز 2026، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو يريدان استبدال السائق من دون تحطيم السيارة.


ويقول ياغور إن كل من يحاول تفسير الإدارة الأميركية للمعركة مع إيران من خلال نظارات عسكرية كلاسيكية يجد نفسه متفاجئاً مراراً وتكراراً. فالتأخيرات، والتخوف المعلن من التصعيد الواسع، والكوابح التي فعّلتها واشنطن في مواجهة ضرب مصيري للبنية التحتية الوطنية الإيرانية، تُفسَّر في كثير من الأحيان على أنها تردد، أو ارتباك استراتيجي، أو عدم رغبة في الانجرار إلى "حرب أبدية" جديدة.


لكن نظرة أعمق، بحسب الكاتب، تكشف منطقاً مختلفاً تماماً: فالولايات المتحدة لا تتردد في إسقاط النظام في إيران، بل هي ببساطة كانت حذرة حتى الآن من تدمير الأصل نفسه.


خلال العام الماضي، عرض وزير الخارجية ماركو روبيو في فنزويلا نموذج عمل لافتاً للدبلوماسية الحديثة: إدارة عن بُعد لدولة منهارة، من خلف الكواليس، مع السيطرة على أنابيب النقد، والتراخيص الطاقوية، والائتمان الدولي. هذا النموذج لم يولد من رغبة في بناء أمة على طريقة عراق 2003، بل من منطق تجاري قوامه "الاستحواذ العدائي": قطع رأس القيادة المعادية، مع إبقاء الجهاز البيروقراطي والبنى التحتية عاملة، وإملاء الاستراتيجية تحت غطاء شراكة سيادية.


بالنسبة إلى دونالد ترامب وفريقه، لا تمثل إيران ما بعد الإسلاموية تمريناً في الدمقرطة، بل هي السوق التي ستعيد فيه شركات الطاقة والطيران الأميركية، وتقنيات المياه والطاقة الخضراء الإسرائيلية، والاستثمارات الخليجية، امتلاك الفراغ الذي ستتركه وراءها الصين وروسيا. وهنا بالتحديد تكمن المعضلة الأميركية الأساسية: كيف يمكن شلّ حركة السائق من دون تحطيم السيارة؟


يمكن الافتراض أن السبب الرئيسي لعدم الرغبة الأميركية في رؤية ضربات على حقول الغاز، ومصافي النفط، ومحطات الطاقة، وموانئ إيران، لا ينبع من الحيطة العسكرية وحدها. فضرب قاسٍ للبنية التحتية الوطنية سيحوّل إيران "اليوم التالي" من أصل مدرّ للعائدات إلى عبء هائل. فإعادة إعمار المنشآت المدمَّرة ستتطلب مئات مليارات الدولارات وسنوات طويلة، وسيغرق الشعب الإيراني في الفقر بدلاً من احتضان الليبرالية الغربية.


ومع مرور الوقت، تكتشف الولايات المتحدة حدود هذا النموذج: فمن المستحيل تطبيق نموذج فنزويلا طالما أن النظام في طهران لا يزال قائماً على قدميه. ففي فنزويلا، وبعد "عزل القائد"، وافقت النخب المحلية على الانصياع من أجل البقاء. أما في إيران، فإن جهاز الحرس الثوري متجذر في كل شرايين الاقتصاد والبنية التحتية، إذ يشكل النظام جزءاً بنيوياً منها، ويتغذى من أنابيب النفط والاتصالات لتمويل القمع الداخلي والعدوانية الإقليمية.


لحل هذه المعادلة القائمة على إسقاط النظام من دون هدم البيت، تحتاج الولايات المتحدة، بحسب ياغور، إلى نقل جزء من الأجهزة إلى صفها، عبر ضربة مركزة في قمة القيادة الأيديولوجية، وإرسال رسالة هادئة إلى الضباط من الرتب المتوسطة والدنيا: في اليوم التالي، هناك مكان لكم في جيش وطني جديد، إذا لم تقاتلوا حتى النهاية. تماماً كما جرى عام 1979، حين نجت أجهزة الجيش واندمجت من جديد، يمكن تفكيك جهاز القمع من دون إسقاط الدولة نفسها.


كما تحتاج، وفق الكاتب، إلى حصار على التسويق لا على الصنابير، أي حصار بحري لمنع النظام من بيع النفط حالياً، مع الحفاظ على الأنابيب والمنشآت سليمة ليوم يفتحها فيه حكم جديد من جديد. ويضيف أنه لا بد من فهم نفسية الشباب، أي جيل Z في إيران، الذي يتوق إلى الحرية الشخصية وحياة طبيعية. فبالنسبة إليه، "الليبرالية" تعني القدرة على السير في الشارع من دون خوف، والاتصال بإنترنت حر، وكسب لقمة العيش. وسيرحب الشعب الإيراني بأي قيادة انتقالية، سواء كانت عودة رضا بهلوي كمرتكز دستوري أو حكومة تكنوقراط، تضمن روحاً ليبرالية وإعادة إعمار اقتصادي بغطاء أميركي، وهذا بالتحديد ما يجب الإعداد له كبديل للنظام الحالي.


وفي الخلاصة، فإن الحذر في ضرب البنية التحتية ليس بسبب قيد تكتيكي أو عسكري، بل هو جزء من خطة استراتيجية بعيدة المدى. فالولايات المتحدة لا تسعى لتحويل إيران إلى عراق أو ليبيا جديدة، بل تسعى لخلق دولة تُنظَّف من قيادتها المتطرفة، وتبقى ببنية تحتية عاملة، وتتحول إلى محرك النمو الجديد في المنطقة تحت مظلة أميركية، وتعاون تكنولوجي إسرائيلي، ومساعدة سخية من دول الخليج.


وهذه هي المعضلة الأميركية الأساسية حالياً: هل يجب خنق الدب الإيراني حتى ينهار النظام من تلقاء نفسه، أم ضربه مباشرة، وهو ما سيلحق الضرر على الأرجح بأصول الغد أيضاً؟ ويشير ياغور إلى أن هناك أيضاً حلولاً لذلك، وهو ما سيتم تناوله في مقالات لاحقة.


فبين حذر يبدو تردداً وخطة تُخفي طموحاً، تدير واشنطن ملف إيران بمنطق المستثمر لا المحارب، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها، بما فيها الساحة اللبنانية، بعيداً عن ضجيج المعارك وصخب التصريحات.