أخبار عاجلة

مقالة

من وهم الانتصار إلى الإصرار على الإنكار
07-08-2026 | 09:30

حين تمكنت إسرائيل، من احتلال قلعة الشقيف التاريخية، المشرفة على مدينة النبطية ومنطقتها، ورفعت علمها على صخورها العالية. اعتبر حزب الله في أول رد فعل له، أن الصورة مفبركة ومن صناعة الذكاء الاصطناعي، وأن الحزب لا يزال يحتفظ بوجوده في القلعة. لكن ما هي إلا ساعات قليلات، ومع توارد الصور المنقولة من هناك للجنود الإسرائيليين، وهم يتبخترون في ردهاتها، أدلى عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب حسن فضل الله، بتصريح غريب من نوعه، وغير مسبوق في إنكاره وتجاهله الحقائق وتكبّره، وقد شكل في حينها صدمة عالية، واستغراباً في مختلف الأوساط المتابعة والمعنية، حين قال: "إن قلعة الشقيف موقع أثري وطني تحت سلطة الحكومة اللبنانية، ولم يكن موقعاً عسكرياً للمقاومة، وهو يتبع لوزارة الثقافة وليس منشأة فيها مقاتلون". معتبراً أن رفع العلم الإسرائيلي هناك "يجب أن يستفز مشاعر كل وطني مخلص".

 

بطبيعة الحال، فإن النائب المفوه كان يقصد التخفيف من ثقل الصدمة التي أصيب بها الرأي العام الجنوبي واللبناني بشكل عام، لسرعة سقوط هذا الحصن بيد العدو، وبهذه السرعة، ومدى خطورة وأهمية هذا السقوط على المستوى العسكري والمعنوي والاستراتيجي والوطني والنفسي.

البعض اعتبر أن الدفاع عن القلعة، لم يكن له فائدة، باعتبار أن إسرائيل قد استولت على المنطقة واحتلتها، وبأن الصمود للمقاتلين فيها مسألة صعبة وخاسرة، وليست مفيدة. ولذا، فإن انسحاب الحزب كان طبيعياً، كي لا يخسر مقاتلين وأرواحاً في الدفاع عنها، ما دامت ساقطة عسكرياً. 

الصدمة الأخرى للرأي العام، لم تتولد من كلام النائب فضل الله، بل من عملية التفجير التي عادت ونفذتها إسرائيل للأنفاق الموجودة تحت قلعة الشقيف وحولها وفي محيطها.

عملية التفجير الكبيرة، أعادت تذكير الرأي العام والمواطنين بكلام النائب فضل الله، الاستخفافي والاستغبائي لعقول العامة من الناس والرأي العام وإدراكه. وأكدت أن القلعة ومحيطها لم تكن كما حاول النائب فضل الله تصوير الأمر وتخفيفه وتحويره.

 

ما جرى في قلعة الشقيف ومحيطها يعيد طرح السؤال الأساسي والجوهري: على ماذا يراهن حزب الله من الآن وصاعداً؟

ألم يكن من الأجدى والأفضل والأنسب، بعد الذي جرى من نتائج، تمثلت باغتيال أمينين عامين للحزب، وأغلبية قادة الصف الأول من الكادرات العسكرية والأمنية، واحتلال أغلب مناطق الجنوب وتدميرها وترميدها.. ألم يكن من الأفضل له وللبنان، تسليم هذه المواقع والأسلحة للجيش اللبناني؟

ألم تكن الواقعية المؤلمة والمطلوبة، مخرجاً مناسباً ومشرفاً لحفظ ماء وجه الحزب والدولة اللبنانية واللبنانيين بشكل عام؟

هل من المعقول أن تصل حالة التباهي والتعالي والنكران إلى هذه الحدود؟

 

حين أدرك قائد تمرد بعبدا الفريد من نوعه، المشهود بعناده، صباح 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، آنذاك العماد ميشال عون، أن مناطقة ومواقعه وخطته الدفاعية ورهاناته الهوائية، قد سقطت عسكرياً بيد القوات السورية، ووحدات الجيش التي قادها آنذاك أميل لحود، رضخ للأمر الواقع وأعطى أوامره للجيش الذي كان تحت إمرته: بالقول "إن القيادة انتقلت إلى العماد أميل لحود".

كان بإمكان الحزب، بعد الذي جرى ويجري وثبوت فشله وأغلب خططه وسردياته في الردع والمنع والتصدي، تخفيف الخسائر وأن يبادر إلى تسليم مواقعه وكل أسلحته وصواريخه الفاشلة للجيش اللبناني، وهو بذلك سيوفر عليه وعلى الجنوبيين واللبنانيين الكثير من الخسائر والأضرار المادية والمعنوية.

ما قام به الحزب هو الانتقال من حالة الهزيمة العسكرية الاستراتيجية المجلجلة، إلى حالة الهذيان الفكري والأيديولوجي، بادعاء الصمود وبالتالي الانتصار، وتكرار الادعاء أكثر من مرة والمبالغة في هذا التصور والمضي به.

الذي جرى أن حالة اللاوعي التي عاشها ويعيشها حزب الله، ومن خلفه إيران، جعلته يرتفع بخطابه إلى مستوى رفض الحقيقة والقول بالانتصار على قاعدة أن الحزب ما زال موجوداً وقوياً، وهو يطلق الصواريخ والمسيرات الانقضاضية، وهو قادر على تعديل الموازين ومن ثم الانتصار والتفوق!

 

الواقع، أن هذه الحالة سببها الموقف والمصلحة الإيرانية، التي لم تنته من استخدام الورقة اللبنانية وورقة حزب الله من ضمنها.

كان المفروض أن تقوم القيادة الايرانية بمراجعة نقدية، تحفظ بها قوة حزب الله وجماعته، أو ما تبقى من قوة احتمال الجماهير الموالية له والبيئة الحاضنة المُدمرة والمضروبة، بتخفيف الضغط والسماح للحزب بالتأقلم مع الواقع الجديد.

الذي جرى هو على العكس من ذلك تماماً، وانتقل الحزب، ومن خلفه إيران، بدلاً الاعتراف بالواقع والعمل والتخطيط للتأقلم معه، ومواجهته بطرق مختلفة، إلى الإصرار على مقولة الانتصار الجوفاء والمضحكة. وكل ذلك، لكي يبقي الجماهير الشيعية معه ومتصلة ومتعلقة فيه وبه ومن حوله. لينتقل الآن من ادعاء الانتصار، إلى الاستمرار في الانكار والتمسك بالخطاب ذاته، والسردية السياسية والإعلامية المتكررة الممجوجة، والمقاربة القديمة المهزومة الساقطة نفسها.

المشكلة، والمصيبة الكبرى في كل ذلك، هو توسع احتلال الجنوب والمناطق المدمرة والمرمدة. وقد جاء الاحتلال، أو ما يسمى بالحزام الأمني، أي المنطقة العازلة الصفراء وتعمقها من دون وجود الجنوبيين وقراهم ومدنهم التاريخية.

وزير الدفاع الإسرائيلي وقادة آخرون يتفاخرون بقرارهم مسح وإزالة قرى الجنوب. كما فعلوا في غزة وخان يونس .

 

كان بإمكان الحزب، ومن خلفه إيران، حصر الأضرار والانتقال إلى تكتيكات مختلفة، لكن جرت زيادة توريط الحزب وبيئته في المشكلة أكثر، فارتفع نطاق حزام إجرام التدمير والترميد الجاري في الجنوب. وكل ذلك تحت وهم البند الأول، من مذكرة التفاهم الأميركي- الإيراني الذي نتج عن مسار إسلام آباد.

أصبح حزب الله المعني بالخسائر والدمار في لبنان يدافع عن مسار إسلام آباد، كأنه مساره هو، ويطالب الدولة اللبنانية بالتوقف عن المفاوضات بدل أن يفكر في تحسين أوراق لبنان.

ألم يكفِ اللبنانيين والجنوبيين ما خلصت إليه النتائج من معركة إسناد إيران وقبلها إسناد غزة؟

إذا لم يبادر حزب الله إلى الدخول في الواقعية المطلوبة، وتسهيل تسليم أسلحته ومواقعه المتبقية للدولة والجيش اللبناني، فإن الاحتلال سيتوسع ويكبر ويتمدد ويتعمق. والسلطة اللبنانية ستستمر في الضعف وزيادة الوهن والضمور والوقوع في أيدي إسرائيل وشروطها وأطماعها وأحقادها التي لا تنتهي. وما يمكن الحفاظ عليه اليوم وحمايته، مع التأخر واستمرار الإنكار، يصبح غداً متعذراً وعالي الكلفة.


عارف العبد | المدن