مع تكشف حجم ونوعية شبكة الأنفاق والمُنشآت التحت أرضية التي بناها حزب الله على مدى سنوات طويلة في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، بات السؤال الأكثر تداولاً وحيرة في الشارع اللبناني والأوساط المتابعة: كيف تمكّن الحزب من إنجاز هذه "المدينة الكبيرة تحت الأرض"، ونقل جبال من الأتربة وتخزين أطنان من الأسلحة دون أن يلاحظ أحد حركة الحفارات والمعدات؟
يرتكز الجواب عن هذا اللغز على استراتيجية ممتدة لعقود، مزجت بين السرية الفائقة، التكتيكات العسكرية المعقدة، والغطاء البيئي والاجتماعي.
1. التمويه البيئي والغطاء المدني
لم تكن عمليات الحفر تتم في مساحات مكشوفة، بل غالباً داخل أملاك خاصة، مزارع مغلقة، ومُنشآت مدنية أو تجارية حقيقية ومُفتعلة (مثل كسارات، مزارع دواجن، أو مشاريع حفر آبار مياه). هذه الأنشطة المدنية بطبيعتها تتطلب وجود معدات ثقيلة وحفارات وتصدر أصواتاً ونشاطاً نقل مستمراً، مما جعل الحركة اليومية لأكياس الإسمنت وآليات الشحن تبدو طبيعية ولا تثير الشبهات لدى الجيران أو المارين.
2. التكتيكات الفنية وحفر البؤر المبتكرة
اعتمد الحزب في كثير من المفاصل على تقنيات حفر غير تقليدية:
* استخدام المعدات اليدوية والآلات الصامتة: في المناطق الحساسة والقريبة من الحدود أو القرى، تم الاعتماد على أدوات حفر هيدروليكية صغيرة وأدوات يدوية تقلل الضوضاء والاهتزازات، على حساب الوقت الذي تطلب سنوات طويلة.
* إخفاء نواتج الحفر (الصخور والأتربة): جرى تصريف الصخور والأتربة الناتجة عن الحفر بأساليب تدريجية، إما بتفتيتها وإعادة استخدامها في بناء وتدعيم الأنفاق نفسها، أو بنقلها في شاحنات مغلقة على أنها مواد بناء لمشاريع أخرى، أو نشرها في أراضٍ زراعية تابعة للحزب على فترات زمنية متباعدة.
3. منظومة "البيئة المغلقة" والأمن الحديدي
فرض حزب الله طوقاً أمنياً صارماً في مناطق نفوذه. كانت مناطق حيوية كثيرة تُصنّف كـ "مناطق عسكرية مغلقة" يُحظر على المدنيين وحتى الأجهزة الأمنية الرسمية الاقتراب منها. هذا الانضباط الحديدي، إلى جانب النفوذ السياسي والأمني المتغلغل، منع استكشاف هذه المواقع أو الإبلاغ عنها.
4. الاستفادة من الجمعيات والغطاء الخيري
لعبت بعض المؤسسات التابعة للحزب، مثل جمعية "أخضر بلا حدود" وغيرها من الهيئات الاستثمارية والهندسية، دوراً سواترياً أتاح لها بيئياً ولوجستياً التحرك بحرية تحت عنوان استصلاح الأراضي، غرس الأشجار، أو بناء السدود والبرك المائية، وهو ما برر حضور المعدات الثقيلة في الجبال والأودية النائية.
5. التهريب والتخزين على دفعات
أما بشأن نقل وتخزين الأسلحة، فلم يتم الأجل في عملية واحدة، بل عبر خطوط إمداد متفرقة وموزعة على مدى نحو عقدين من الزمن. تم نقل الصواريخ والعتاد داخل شاحنات نقل بضائع عادية (مثل شاحنات الخضار، الماشية، ومواد البناء) وفي أوقات محددة تتفادى الرصد الجوي والحراري.
إن ما كُشف عنه ليس مجرد أنفاق فردية، بل شبكة هندسية استغرقت عقوداً من العمل الصامت. وتظهر الحقائق أن الصمت لم يكن بسبب "عمى" الجميع عن الآليات، بل لأن الحركة كانت تذوب باحترافية داخل المشهد اليومي للبلدات والقرى، وتحت حماية أمنية جعلت مجرد السؤال عما يجري خلف الجدران أمراً غير متاح.