أخبار عاجلة

مقالة

إيران: زمن الرعب في زمن الحرب
25-08-2026 | 20:51

تختلف إيران، بالشكل، عن غيرها من الأنظمة التوتاليتارية والإيديولوجية في إدارتها لوسائل الإعلام. يُدار الإعلام هناك بمنطق "توزيع الأدوار". بينما تُترك مساحة واسعة نسبياً للنقد الاقتصادي، حتى في الصحف الأصولية القريبة من دوائر القرار، إلا أنّ هذه المساحة ليست انفتاحاً بل صمام أمان مدروس يُفتح ليُفرغ من الغضب الشعبي ويُغلق متى اقترب النقد من عتبة السياسات السيادية أو العسكرية. 


عندها فقط نرى تبدلاً كلياً باللغة، فيتحول المواطن الغاضب من ضحية غلاء ليصبح فجأة "أداة بيد الأعداء" وجزءاً لا يتجزأ من "المؤامرة الخارجية"، فتُفعّل عندها آلة التخوين بكامل طاقتها.


صمام الأمان وسلاح التخوين


هذه الازدواجية هي جزء من استراتيجية بنيوية متكاملة. يدرك النظام الإيراني أن كتم الأصوات كلياً ـ في بلد يرزح تحت تضخم يقارب 70% وحصار أميركي وصفه الرئيس الأميركي بـ "الأكبر في التاريخ" وبانهيار المعيشي موصوف ـ سيراكم الضغط فينفجر عاجلاً. لهذه الأسباب يمنح الحرس الثوري (الحاكم الفعلي لإيران اليوم) الصحافة، حتى المتشددة منها، هامشاً لتنفيس هذا الاحتقان عبر كلام ضمن أطر محددة، لكن اللحظة التي يتجاوز فيها الخطاب سقف "شكوى المعيشة" تتدخل فيها الآلة الإعلامية والأمنية معاً، لتعيد صياغة أي احتجاج بوصفه تكراراً لسيناريوهات الأعداء، لا نتيجة طبيعية لسياسات فاشلة.


الحكومة تحت النار.. والحرس خارج المساءلة


في خضم التداعيات المتراكمة للنزاع العسكري المستمر والحصار البحري وأزمات عام 2026 الهيكلية، تتعمد الأذرع الإعلامية القريبة من الحرس الثوري توجيه بوصلة الاتهام كاملة نحو الحكومة التنفيذية التي يقودها مسعود بزشكيان، والمحسوبة على التيار الإصلاحي الأكثر مرونة. يُروَّج بإصرار لخطاب مفاده أن الحرس "يؤدي واجبه العسكري على أكمل وجه في الجبهات"، بينما "تعجز الحكومة عن إدارة أبسط ملفات الداخل"، من التضخم إلى تأمين الوقود.


هذا التوزيع للأدوار مروس وتقف خلفه غاية سياسية مفادها: تجريد التكنوقراط والإصلاحيين من أي رصيد شعبي متبقٍّ وتظهيرهم بمظهر العاجز تمهيداً لما يشبه انقلاباً غير معلن ليكم فها الحرس الثوري قبضته على مفاصل القرار الاقتصادي والسياسي بالكامل، دون تحمل كلفة هذا التمدد أمام الرأي العام.


أمثلة من داخل المطبخ الإعلامي الإيراني


في صحيفة "سياست روز" الأصولية، كتب رئيس تحريرها محمد صفري منتقداً المسؤولين الحكوميين بلهجة حادة، معتبراً أنهم يكتفون بعرض المشكلات دون تقديم حلول عملية، محذراً من أن التضخم وتدهور المعيشة قد يحولان التذمر المتراكم إلى غضب واحتجاج مفتوح. الأهم أن الصحيفة نفسها طالبت بألا تُحمَّل العقوبات والحرب وحدهما مسؤولية الأزمة، بل أن تُعالَج الاختلالات الداخلية أولاً، وهي عبارة تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تُخلي مسؤولية النهج العسكري للحرس الثوري بالكامل، وتضع العبء الاقتصادي كاملاً على عاتق الجهاز التنفيذي وحده.


وفي الاتجاه نفسه، كشفت تقارير صحيفة "جمهوري إسلامي" ووسائل الإعلام الحكومية عن اتساع الفجوة الإدارية وشلل التنسيق داخل حكومة بزشكيان، من الخلاف العلني حول إقالات مفاجئة في منظمة الضمان الاجتماعي، إلى قفزة التضخم الصناعي إلى مستويات قياسية. 


لم تتردد وسائل الإعلام القريبة من الحرس الثوري في توظيف هذه الاعترافات الحكومية ذاتها، ومنها تصريح نائب الرئيس للشؤون التنفيذية حول الاضطرار للاعتماد على شبكات السماسرة لبيع النفط، لتكريس صورة واحدة: عجز الطاقم السياسي المدني عن إدارة الدولة.


العصب القومي كغطاء للأزمة


بالتوازي مع تحميل الحكومة وزر الإخفاقات الداخلية، تنشط الصحف الأصولية في تعبئة موازية تستهدف شد العصب القومي والعسكري. فصحيفة "آكاه" الأصولية ركّزت على إبراز ما وصفته بالفشل العسكري والاستراتيجي الأميركي، ونفت وجود أي قنوات تفاوض خلفية للحرس الثوري، مصوّرةً الموقف العسكري الإيراني بأنه صارم ولا يقبل المساومة بأي شكل.


أما وكالة "فارس"، الذراع الإعلامي الأقرب إلى الحرس الثوري، فتقود حملة واسعة لتسويق عمليات الحرس، وفي مقدمتها ما يُعرف بعمليات "نصر"، مروّجةً لفكرة الانتقال الكامل من عقيدة الدفاع إلى عقيدة الهجوم. هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى رفع الروح المعنوية، بل يعمل على تغطية مشهد أكثر إيلاماً: طوابير الوقود الطويلة، وأزمة شح الغذاء المتفاقمة في الداخل.


رسائل الرعب:


لا يكتفي هذا النظام الإعلامي بالامتصاص والتوجيه، بل يلجأ عند الحاجة إلى التهديد الصريح، بلا مواربة. نقلت وسائل الإعلام الإيرانية عن رسول سنائي راد، المسؤول السياسي والعقائدي البارز في القوات المسلحة، تحذيراً مباشراً مفاده أن "العدو يعتقد أنه يستطيع، من خلال إثارة الانقسامات الداخلية والضغط الاقتصادي، تكرار الاحتجاجات"، مؤكداً أن النظام سيتصرف "بشكل أكثر حزماً وهجومية".


هذا التصريح وحده يفضح البنية الكاملة للفرضية: فالإعلام يمهّد أمنياً لتجريم أي حراك شعبي مطلبي، كالذي يقوده حالياً المتقاعدون والعمال في أصفهان وطهران احتجاجاً على غلاء المعيشة وفساد شركات تابعة للحرس الثوري، عبر تصنيف هذا الحراك فوراً بوصفه "أداة بيد العدو في زمن الحرب". في اللحظة نفسها، تُبرز الصحف تعيينات أمنية قاسية الدلالة، وفي مقدمتها عودة حسين طائب لقيادة الباسيج وتفعيل شبكات المراقبة الشعبية، في "رسالة رعب" واضحة: انشغال النظام بالحرب الخارجية لن يُلهيه "عن سحق" أي تململ في الداخل.


خلاصة: توزيع الأدوار 


تكشف القراءة المتأنية للمشهد الإعلامي الإيراني في هذه المرحلة نظرية متكاملة يمكن تسميتها "بتوزيع الأدوار الأزموية". وفق هذه النظرية، تُترك الحكومة المدنية، بشقيها الإصلاحي والتكنوقراطي، وحيدة في واجهة مدفع الغضب الشعبي، لتتحمل كامل كلفة الجوع والأزمات الهيكلية أمام الرأي العام. في المقابل، يحتفظ الحرس الثوري بلقب "حامي الحمى" ومصدر "الإنجازات العسكرية"، محصّناً من أي مساءلة اقتصادية مباشرة، ومستخدماً في الوقت نفسه مقص الرقيب وسلاح التهديد الأمني لضمان ألا يخرج قطار الامتصاص الشعبي عن السكة المرسومة له سلفاً.


بهذا المعنى، لا تعود الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد نتيجة عرضية للعقوبات والحرب، بل تتحول إلى أداة داخلية بامتياز، تُستثمر بدقة لإعادة رسم موازين القوى الداخلية، وتصفية حساب قديم بين مؤسسة عسكرية تريد أن تحكم دون أن تُسأل، وحكومة مدنية تُسأل دون أن تُمنح صلاحية الحكم.


بديع يونس | Pen Media