أخبار عاجلة

مقالة

وفيق صفا في قصر بعبدا؟
21-09-2026 | 08:41

لم يعد سرّاً أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ليس معجباً كثيراً بتركيبة الحكومة الحالية. زوار قصر بعبدا ينقلون الكثير من التحفظات على أداء أكثر من نصف أعضائها. التململ نفسه ينسحب على رئيس الحكومة نواف سلام. وربما هي من المفارقات، أن ينتقد رئيس الحكومة، حكومته، رغم أنه يرأسها ويُحسب عليه عدد وازن من وزرائها.


حزب الله أيضاً لديه ما يقوله في الحكومة، وأخيراً انضمت القوات اللبنانية إلى فرقة «الحردانين»، ولعلها تدرس التضحية بالحلقة الأضعف، وزير الطاقة جو صدي. الإستثناء الوحيد يحجزه حزب الكتائب.


المفارقة أن أحداً من هؤلاء لا يريد إسقاط الحكومة، على علّاتها. ليس حباً بها ولا خشية منها، بل حساباً للخارج، وتحديداً الرياض وواشنطن. معظمهم باتوا أشد إقتناعاً من ذي قبل، أن هذه الحكومة، أضحت حكومة العهد، الأولى والأخيرة، في ظل عدم ضمان إجراء الإنتخابات العام القادم، وليس من مجال لإزاحتها. حتى حزب الله، الذي اختار نوابه الخروج من قاعة مجلس النواب عند طرح الثقة بالحكومة، اختار في الوقت نفسه ألّا ينزعها منها كلياً. بشكل أو بآخر، رفضه التصويت على الثقة أبقى على ثقة سبق أن منحها، وترك الباب موارباً للنقاش مع السلطة ومع من يقف خلفها.


لقد سبق للحزب أن فعّل خطوط التواصل مع السلطة وضبطها على توقيته، وأبدى حرصاً واضحاً عليها. يومها، نشأت قناة ضرورية مع رئيس الجمهورية، برعاية المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير. آنذاك، مثّل الحزب النائب حسن فضل الله، الذي كان يتردد دورياً إلى مبنى الأمن العام برفقة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الحاج حسين عبدالله.


وفي الوقت نفسه، حافظ الحزب على قناة مع رئيس الحكومة تولاها فضل الله أيضاً. وعملياً، بات الأخير يؤدي جزءاً من الدور الذي كان يتولاه سابقاً مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وعضو مجلس الشورى الحالي الحاج وفيق صفا، مع فارق أن إدارة العلاقات الرسمية داخل الحزب باتت، وفق التوزيع الداخلي، من اختصاص رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد.


حتى مع انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لم تنقطع القناة مع بعبدا. بقي شقير راعياً لها، ودخل مستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال على خطها. وفي مرحلة معينة، سجل التواصل تقدماً وقد أصبح لقاء عون برعد متوقعاً بين يوم وآخر.


لكن توقيع اتفاق الإطار في واشنطن فجّر المسار برمته.


منذ تلك اللحظة، انتقل الحزب إلى قطيعة مع بعبدا، ثم إلى مواجهة سياسية غير كلاسيكية معها. وابتعد عن كل الأصدقاء المشتركين والمسؤولين الذين اشتغلوا على خط الطرفين. حتى إن ممثلي الحزب، حين كانوا يزورون أحد هؤلاء، كانوا يحرصون على التأكيد أن الزيارة لا علاقة لها بإعادة تفعيل قناة مع بعبدا، ولا بإيصال رسالة إليها أو استئناف تفاوض معها، بل تندرج حصراً في إطار التنسيق أو التشاور الذي تفرضه مواقع هؤلاء في الإدارة.


فعلياً، القطيعة لم تكن كاملة. شخصيات عدة منها اللواء شقير، واصلت، من تلقاء نفسها، إستفهام الأجواء بين بعبدا وحارة حريك والبناء عليها. لم يكلّفها أحد، وكانت تحاول إستغلال زياراتها إلى بعبدا وزيارات مسؤولي الحزب إليها في محاولة فردية لنقل أجواء، على مسؤوليتها. وكانت تؤكد بأنها لا تحمل رسائل رسمية، إنما كانت تحرص على إبقاء الخيط قائماً، وتخفيف التوتر، وابقاء على شيء من الثقة، أو ببساطة إبقاء القناة «مزيّتة» تحسباً للحاجة إليها لاحقاً.


ربما، يستحسن الطرفان هذا الدور، لكنهما امتنعا عن منحه أي غطاء رسمي أو تمثيلي. لذلك، كانت الأجواء التي تصل تُسجّل بوصفها آراء شخصية لأصحابها


في المقابل، ينقل مصدر متابع أن الرئيس عون أبلغ، في أكثر من مناسبة، زواراً بارزين ومسؤولين استعداده للقاء أي مسؤول في حزب الله، مهما قلّ أو علا شأنه، ومناقشته مباشرة. وكان عون يصر على أن يكون اللقاء في قصر بعبدا، بصفته رئيساً للجمهورية، مع تأكيد قدرته على إبقاء الجلسات بعيداً عن الإعلام.


كان ذلك بعد توقيع اتفاق الإطار. للحوار شروطه. عون كان يفتح باباً للحوار من دون أن تكون هناك أرضية مشتركة له. أما الحزب، فكان يخشى أن يُفسّر ذهابه إلى بعبدا على أنه منح غطاء للرئيس في ملف التفاوض، أو تسليم منه باتفاق الإطار. لذلك، وضع شرطاً مسبقاً لأي لقاء: أن يجمّد عون مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل، بما فيها اتفاق الإطار، ثم يأتي الحزب إلى بعبدا لمناقشة جدوى التفاوض نفسه. وبعدها، كما تقول وجهة نظر الحزب، «لنرَ من يقنع الآخر».


عملياً، لا تبدو التسوية بين الموقفين سهلة.


فعون، الذي نُصّب رئيساً في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية - الأميركية على الحزب، لن يقبل بوقف التفاوض، ببساطة لأنه يشكل شرطاً رئاسياً أساسياً لمساره، فضلاً عن اقتناعه بجدواه. والحزب، الذي ما زال يؤكد أن لإسرائيل مطامع تتجاوز أسباب الحرب القائمة، لن يقبل التخلي عن سلاحه والنزاع مستعر في الإقليم وإيران تحت العدوان، فيما لم تُحسم موازين الميدان بصورة واضحة.


وفوق ذلك كله، لا يبدو الحزب مستعداً، لا الآن ولا غداً، لفتح نقاش حول سلاحه، سواء بقي التفاوض واتفاق الإطار أم سقطا.


ومع ذلك، الرسائل لم تتوقف. فرفض الحزب تقليص الثقة الشيعية الممنوحة للحكومة، رسالة إلى بعبدا وما بعدها. عدم النزول إلى الشارع رسالة أخرى. إبقاء «شغب» الحزب داخل الحكومة تحت سقف مضبوط رسالة إلى بعبدا والسراي ومن خلفهما. وكذلك استمرار التنسيق بين الوزراء المحسوبين عليه وزملائهم، ومن أكثر الدلالات وضوحاً، استقبال رؤساء بلديات قريبين منه رئيس الجمهورية أو السفير الأميركي في الجنوب.


في الاتجاه المعاكس، ثمة رسائل أيضاً. عون يحرص، كما ينقل، على سؤال المسؤولين والأصدقاء الذين يلتقون الحزب عن أوضاعه ومواقفه، وخصوصاً ما لا يُقال منها في العلن، يأتي بمثابة رسالة ويُقرأ في الضاحية. وكذلك عدم وجود إعتراض على جولات مسؤولي الحزب على شخصيات قضائية وأمنية.


حتى زيارة عون الأخيرة إلى النبطية يمكن وضعها في هذا السياق. فالحزب، بحسب المعلومات، كان على علم بها قبل حصولها، ومثّله فيها رئيس بلدية النبطية. وربما كان مرتاحاً إلى إتمامها في وقت مبكر من النهار بما يجنّبه إحراجاً أمام جمهوره. ويضاف إلى ذلك كلام عون من هناك عن «لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل»، بصرف النظر عن القيمة العملية لهذا الموقف.


وسط كل ذلك، حصلت مصادفة تستحق التوقف عندها.


على هامش تقديم العزاء بوفاة والد القاضية نازك الخطيب في مسجد الخاشقجي في شاتيلا، شوهد عضو مجلس شورى حزب الله الحاج وفيق صفا يتبادل أطراف الحديث مع مستشار الرئيس عون أندريه رحال.


في الظاهر، لقاء مصادف عابر فرضته المناسبة. لكن في السياسة، وخصوصاً بين طرفين يبحث كل منهما عن الآخر من خلف الأبواب من دون أن يريد الاعتراف بذلك، قد تكون المصادفات أكثر من مجرد مصادفات.


فهل يكون لقاء صفا ورحال مدخلاً لإعادة «تزييت» خط بعبدا - حارة حريك؟ وهل يعود وفيق صفا إلى لعب الدور الذي عرفه طويلاً، ولكن هذه المرة مع عون الرئيس وليس عون القائد؟


والأهم: هل يتحول صفا، في مرحلة لاحقة، إلى مفاوض مباشر باسم الحزب مع رئيس الجمهورية، فنراه داخل قصر بعبدا؟


بعض الأجواء التي وصلت إلى الإعلام أوحت بذلك.


عبدالله قمح | ليبانون ديبايت