أخبار عاجلة

مقالة

جبران باسيل... الزعيم الذي لا يُخطئ
23-09-2026 | 10:04


ثمة ظلم يتعرض له مؤيدو جبران باسيل، ولا يتحدث عنه أحد. فنحن نطالبهم بما يفوق طاقة الذاكرة البشرية، بأن يتذكروا موقف زعيمهم من الكهرباء وسعد الحريري وحزب الله والقوات وسوريا والفساد والرئاسة، ثم يتذكروا الموقف الذي جاء بعده، وأن يظلوا، فوق ذلك كله، مقتنعين بأن الخط السياسي مستقيم. وهي مهمة تشبه مطالبة راكب أفعوانية بأن يرسم خط سيرها بالمسطرة.


خذوا الكهرباء، مثلاً

في 5 أيلول 2013، وخلال جولة في معمل الجية بصفته وزيراً للطاقة، وعد باسيل بالوصول إلى كهرباء 24/24 بحلول عام 2015، وفق تقرير مصوّر نشرته LBCI يومها. جاء 2015. الكهرباء اعتذرت عن الحضور. لكن الوعد لم يمت. تنقّل بين المواعيد والخطط والتفسيرات، حتى بات عدم تحققه مرتبطاً، في خطاب باسيل، بالعرقلة. وهكذا تطورت النظرية من "سنؤمّن الكهرباء" إلى "كنا سنؤمّنها لو سمحوا لنا"، .. "ما خلونا"! إنه الوعد السياسي المثالي: إذا تحقق فهو إنجازك، وإذا فشل فالخصوم مسؤولون عنه.


سعد الحريري

في 14 كانون الأول 2019، وفي مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة على هامش منتدى الدوحة، أعلن باسيل أن التيار لن يشارك في حكومة يرأسها الحريري، واستبعد نجاح حكومة يقودها، ودعا إلى حكومة اختصاصيين. كلام واضح لا يحتاج إلى مترجم. لكن الحريري نفسه كان قبل ثلاث سنوات شريك التسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون إلى بعبدا، ثم ترأس أول حكومة للعهد وجلس باسيل فيها وزيراً للخارجية. أي أن الرجل الذي لا تصلح حكومته في 2019 كان قبلها شريكاً مناسباً لصناعة "العهد القوي". ليست المشكلة أن الظروف تغيرت. السياسة تتغير. لكن الظروف اللبنانية، عندما يتعلق الأمر بباسيل، تتمتع بمرونة لاعب جمباز أولمبي.


"الإبراء المستحيل"

سنوات من الهجوم العوني على السياسات المالية للحريرية السياسية، ثم مشاركة في حكومة فؤاد السنيورة عام 2008، ثم تسوية رئاسية مع سعد الحريري عام 2016. في لبنان، يبدو أن «المستحيل» مبدئي، أما الممكن فوزاري.


حزب الله

هنا تحتاج الأفعوانية إلى حزام أمان. في 8 تشرين الثاني 2020، وبعد العقوبات الأميركية عليه، عقد باسيل مؤتمراً صحافياً في بيروت وقال إن الأميركيين طلبوا منه فك العلاقة مع حزب الله وإنه رفض، رابطاً العقوبات بهذا الرفض. موقف لا يحتمل الالتباس. بعد أربعة عشر شهراً، في 20 كانون الثاني 2022، في مقابلة مع وكالة الأناضول، أعلن أن تفاهم مار مخايل مع حزب الله "فشل في بناء الدولة"، وأن الخلاف مع الحزب في الملفات الداخلية كبير، مع تأكيده في الوقت نفسه أن التفاهم ما زالت له "حاجة وطنية". أي إننا أمام تفاهم يستحق الصمود في وجه الضغط الأميركي، لكنه فشل في أحد أهدافه المركزية. يشبه الأمر رجلاً يرفض بيع سيارة مهما ارتفع السعر، ثم يخبرك باعتزاز أن محركها لا يعمل.


والقوات اللبنانية؟

مصالحة معراب عام 2016 قُدمت يومها باعتبارها طياً لصفحة تاريخية من الصراع المسيحي. وبعد سنتين ونصف فقط، في 19 تموز 2018، في مقابلة مع صحيفة "الجمهورية"، أعلن باسيل أنه أبلغ القوات رسمياً تعليق الاتفاق، وحمّلها مسؤولية الإخلال به. من "المصالحة التاريخية" إلى تعليق الاتفاق خلال سنتين ونصف. حتى بعض الأجهزة الكهربائية تأتي بضمان أطول.


أما سوريا، فقصتها مع الزمن أكثر شاعرية

في مقابلة خاصة مع «الجزيرة نت» في 15 نيسان 2022، سُئل باسيل عن زيارة دمشق التي سبق أن أعلن عزمه عليها ولم تحصل، فأجاب بأن مشروع الزيارة قائم، وأنها أصبحت "قاب قوسين" وقد تتم قبل الانتخابات أو بعدها. مرت الانتخابات. ومرت بعدها سنوات. وظل القوسان. لعلنا أخطأنا حين اعتبرنا «قاب قوسين» وحدة مسافة. ربما هي، في القاموس السياسي اللبناني، حقبة جيولوجية.


الفساد

في 3 تشرين الثاني 2019، وفي كلمة سياسية متلفزة وسط انتفاضة 17 تشرين، قال باسيل إن شعار «كلن يعني كلن» يجب أن يكون للمساءلة لا للظلم، مؤكداً أن «لسنا كلنا فاسدين». وهو كلام صحيح من حيث المبدأ، فالمسؤولية لا تكون جماعية. لكن السياسة تطرح سؤالاً آخر: تيار شارك في الحكومات منذ 2005، وتولى وزارات أساسية، وشارك في التعيينات، وامتلك أكبر كتلة مسيحية، ووصل مؤسسه إلى رئاسة الجمهورية... كيف يستطيع خطابه، عند فتح دفتر الحساب، أن يبدو أحياناً كأنه بعثة مراقبة وصلت إلى لبنان صباح أمس؟


المؤيِّد

هنا نصل إلى الظاهرة الأكثر إثارة من باسيل نفسه: كيف يلحق به؟ يتحالف مع القوات، فالمصالحة تاريخية. تنهار، فيصبح انهيارها حتمياً. يتحالف مع الحريري، فتكون التسوية إنقاذاً للبلاد. يخاصمه، فيصبح الرجل غير قادر على قيادة حكومة ناجحة. يتمسك بتفاهم حزب الله إلى درجة القول إنه تحمل بسببه العقوبات الأميركية، ثم يعلن أن التفاهم فشل في بناء الدولة، فيصبح اكتشاف الفشل نفسه دليلاً على حكمة الزعيم. يَعِد بالكهرباء عام 2015، لا تأتي الكهرباء، فيتحول السؤال من «أين الكهرباء؟» إلى «من منع جبران من إحضارها؟». فما الذي يؤيده المناصر تحديداً: الموقف أم صاحب الموقف؟

ليس في تغيير الرأي عيب. السياسة ليست نصاً مقدساً، والسياسي الجاد يراجع خياراته عندما تتغير الوقائع. لكن المراجعة تفترض جملة قصيرة وشديدة الصعوبة، كنا نقول شيئاً، واليوم نقول شيئاً آخر.

أما أن يكون المرء شريكاً في السلطة ثم يتحدث بلسان ضحيتها، وحليفاً ثم يتبرأ من حصيلة التحالف، وصانعاً للتسويات ثم يحاكم شركاءها، وصاحب وعد ثم يحيل عدم تنفيذه إلى «المعرقلين»، فهنا لا تعود المشكلة مرونة سياسية. تصبح محاولة دائمة لجعل الذاكرة العامة قصيرة بما يكفي كي تتسع للرواية الجديدة. والأخطر من السياسي الذي يفعل ذلك هو الجمهور الذي يعفيه من الحساب. عندها لا يعود الحزب مساحة سياسية بقدر ما يصبح جمهور تصفيق متنقلاً، حيث يقف الزعيم تقف الحقيقة، من يصالحه يصبح وطنياً، ومن يخاصمه يصبح خطراً، وما يقوله اليوم حكمة، وما قاله بالأمس ـ إذا أصبح محرجاً ـ يُلقى من نافذة الذاكرة كأنه لم يكن. 


البهلوان

لهذا يبقى الأرشيف عدواً شرساً لهذا النوع من السياسة. فالأرشيف لا يصفق. لا ينتسب إلى حزب، ولا يحضر مهرجاناً، ولا يحتاج إلى مقعد نيابي. يحتفظ فقط بالوعد وتاريخه، والحليف واسمه، والخصم واسمه، والتصريح الذي قيل يوم كان مطلوباً من الجمهور أن يؤمن به. وهنا تصبح «البهلوانية» أكثر من استعارة ساخرة. فالبهلوان الذي ينتقل بين الحبال يؤدي مهنته. أما السياسي الذي ينتقل من حبل إلى نقيضه، ثم يقنع جمهوره بأن الحبل لم يتغير، وأنه لم يقفز، وأن المشكلة كانت دائماً في الآخرين، فهو يطلب من مؤيديه شيئاً أكبر من الولاء: أن يتخلوا عن ذاكرتهم.


وعندها لا يعود السؤال كيف يستطيع جبران باسيل أن يقول الشيء ثم يقول نقيضه؟ السؤال السياسي الأقسى هو كم مرة يستطيع سياسي أن يطلب من جمهوره أن ينسى، قبل أن يصبح النسيان نفسه عقيدة سياسية؟ فالزعيم الذي يعرف أن ذاكرة جمهوره لن تحاسبه، لا يعود مضطراً إلى الوفاء بوعد، ولا إلى الاعتذار عن خطأ، ولا حتى إلى الانسجام مع نفسه.

يكفيه أن يعلن الموقف الجديد، وسيجد دائماً من يشرح لنا، بمنتهى الجدية، أن هذا تحديداً...هو ما كان يقصده منذ البداية.


ميشال فلاح