تتوالى الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية في لبنان مترافقة دائما بشعارات التغيير وضرورة المحاسبة، غير أن النتيجة غالبا ما تصطدم بواقع مرير تتمثل بظاهرة الانكفاء الشعبي ونسب الاقتراع المتدنية. يمتنع قطاع واسع من المواطنين عن التوجه إلى صندوق الاقتراع بدافع اللامبالاة أو شعور عميق بالعجز يعزز لديهم الاعتقاد بأن أصواتهم لن تحدث أي فارق في اقتلاع الطبقة السياسية التقليدية. هذا المقاطعة الضمنية، وإن كانت تعبر عن غضب أو سخط، إلا أنها في الممارسة العملية تخدم الأحزاب النافذة وتمنحها فرصة تجديد مشروعيتها بكتل انتخابية حتمية ومعبأة مسبقا.
أمام هذا الأفق المغلق، يبرز طرح إصلاحي جذري يستلهم تجارب دولية ناجحة، وفي مقدمتها التجربة البرازيلية، القائمة على فر فرض إجبارية الاقتراع بقوة القانون. ففي البرازيل، ينص الدستور على أن التصويت ليس مجرد حق بل هو واجب وطني ملزم لجميع المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر وسبعين عاما. ويترافق هذا الالتزام مع آليات تنظيمية وعقوبات إدارية غايتها حث الشعب على المشاركة الفعالة وتفادي اللامبالاة السياسية التي تطيل بعمر الأزمات.
تستند فلسفة الاقتراع الإجباري إلى فكرة مبسطة ومؤثرة: عندما يصبح التصويت فرضا قانونيا، يتم كساد ما يسمى بالأغلبية الصامتة، ويدفع كل مواطن للتحول من موقف المتفرج إلى موقع الفاعل. في الحالة اللبنانية، يمارس الناخب المقاطع استقالة غير معلنة من الشأن العام، مما يتسبب في رفع الوزن النسبي للمحازبين والمستفيدين من شبكات المحسوبية والمال الانتخابي. أما فرض الاقتراع الإجباري، فمن شأنه أن يغرق المحادل الانتخابية بأصوات شريحة واسعة غير محزبة، مما يفتح الباب واسعا أمام اختراقات جدية وإحداث تغيير ملموس في تركيب المجلس النيابي المقبل.
غير أن إسقاط هذا النموذج على الواقع اللبناني يتطلب دراسة دقيقة ومراعاة للخصوصية السياسية والديمغرافية والتشريعية المعقدة للبلاد. فالواقع اللبناني يتميز بديناميات خاصة تتطلب إدخال تعديلات جوهرية على النص القانوني المقترح لضمان تحقيقه للهدف المرجو منه:
أولا، يواجه لبنان تحديا جغرافيا وتوزيعا ديمغرافيا خاصا يعتمد على نفوس التسجيل وليس محل الإقامة الفعلي، بالإضافة إلى وجود انتشار لبناني واسع في الخارج. من هنا، فإن فرض الإجبارية يلزم الدولة بتسهيل عملية الاقتراع عبر إنشاء "الميغاسنتر" داخل الأراضي اللبنانية، ليتمكن المواطن من التصويت في مكان سكنه دون تحمل أعباء التنقل أو الضغوطات العائلية والمناطقية. كما يتطلب ذلك توسيع أطر اقتراع المغتربين وتبسيط إجراءاته.
ثانيا، احترام حرية الرأي والتعبير يستوجب إضافة خيار واضح على ورقة الاقتراع الرسمية تحت مسمى "الورقة البيضاء" أو "الرافض لجميع المرشحين"، بحيث يتاح للمواطن الراغب في إعلان رفضه الكلي للطبقة السياسية ممارسة حقه في الامتناع الواعي داخل الصندوق، دون أن يجبر على اختيار اسم لا يمثله، وفي الوقت نفسه يسجل حضوره ويمنع استغلال غيابه.
ثالثا، تتطلب الخصوصية اللبنانية التدرج في العقوبات والتركيز على الغرامات المالية والمواطنية بدلا من العقوبات الجزائية المعقدة، مثل ربط التخلف غير المبرر عن الاقتراع بتأخير بعض المعاملات الإدارية الرسمية أو فرض رسوم مالية رمزية تذهب حصيلتها لدعم صندوق إدارة الانتخابات وضمان شفافيتها.
إن سن قانون يفرض إجبارية الاقتراع في أقرب وقت ممكن يمثل خطوة إنقاذية وممر إجباري نحو إصلاح المنظومة السياسية قبل الانتخابات البرلمانية القادمة. إن المواطنة ليست مجرد الاستفادة من الخدمات والتعاطي السلبي مع السياسات العامة، بل هي مسؤولية مشاركة في القرار. وتطبيق هذا القانون سيمثل صدمة إيجابية تعيد الاعتبار لورقة الاقتراع كأداة تغيير وحيدة، وتنهي حالة الاستسلام التي غذت الهيمنة السياسية لعقود طويلة.
وهذه لمحة موجزة عن قانون الانتخاب البرازيلي والعقوبات الناتجة عن التخلّف
ملحق تنفيذي: نظام العقوبات والاستثناءات في قانون الاقتراع الإجباري البرازيلي
يقوم النموذج البرازيلي في تنظيم الانتخابات على توازن دقيق بين إلزامية المشاركة وحماية الحريات الفردية، حيث لا يهدف القانون إلى معاقبة المواطن لمجرد العقاب، بل إلى تعزيز انخراطه في الحياة السياسية ومنع ظاهرة العزوف النيابي.
الفئات المعفاة من إلزامية التصويت الاستثناءات القانونية
ينص الدستور البرازيلي الصادر عام 1988 وقانون الانتخابات على أن الاقتراع اختياري كلياً ودون الحاجة لتبرير لثلاث فئات رئيسية:
* كبار السن الذين بلغت أعمارهم 70 عاماً فما فوق.
* الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً.
* المواطنون الأميون من مختلف الأعمار.
ظروف التخلف المبرر والمهل الزمانية
يحق للمواطن الخاضع لإلزامية الاقتراع (بين 18 و70 عاماً) التخلف عن الحضور دون التعرض لأي عقوبة في الحالات التالية:
* المريض أو المصاب بعجز صحي يمنعه من الحركة، بشرط تقديم تقرير طبي رسمي.
* التواجد خارج الدائرة الانتخابية المسجل فيها أو التواجد خارج البلاد يوم الاقتراع.
* أداء مهام الوظيفة العامة أو الخدمة العسكرية الإلزامية التي تحول دون الوصول إلى صندوق الاقتراع.
ولإسقاط العقوبة، يلزم القانون الناخب بتقديم طلب تبرير غياب لدى المحكمة الانتخابية العليا خلال مهلة أقصاها 60 يوماً من تاريخ الاستحقاق الانتخابي (أو 30 يوماً من تاريخ العودة إلى البلاد لمن كان في السفر).
سلم العقوبات والجزاءات الإدارية عند عدم التبرير
في حال عدم اقتراع المواطن وعدم تقديمه تبريراً مقبولاً خلال المهلة القانونية، تفرض المحكمة الانتخابية عقوبات متدرجة ذات طابع إداري ومالي:
* الغرامة المالية: يغرم الناخب المتخلف بمبلغ مالي رمزي يحسب كنسبة مئوية من الحد الأدنى للأجور في المنطقة الانتخابية.
* القيود الإدارية والمدنية: في حال الامتناع عن سداد الغرامة أو التخلف دون تبرير، يُحرم المواطن حكماً من عدة حقوق أساسية حتى تسوية وضعه:
أولا: التقدم للامتحانات الرسمية أو تولي أي وظيفة في القطاع العام والمؤسسات الحكومية.
ثانيا: الحصول على الجواز السفر أو تجديد بطاقة الهوية الوطنية.
ثالثا: الحصول على القروض أو التسهيلات المصرفية من المصارف العامة والمالية التابعة للدولة.
رابعا: إبرام أية عقود رسمية أو الاشتراك في المناقصات مع مؤسسات الدولة.
* إلغاء السجل الانتخابي: إذا تخلف المواطن عن الاقتراع لثلاث استحقاقات انتخابية متتالية دون تقديم تبرير أو سداد الغرامات، يتم تعليق وإلغاء بطاقته الانتخابية كلياً، مما يستوجب إعادة إجراءات التسجيل من جديد مع خضوعه للمساءلة الإدارية.