بينما تتصارع الدول "الفاشلة" أو "المتعثرة" مع أزمات الفساد المزمن، البيروقراطية المتهالكة، والانهيار الاقتصادي، يبرز تساؤل جوهري في أروقة السياسة والتكنولوجيا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون "طوق نجاة" تقني يعيد هذه الدول إلى المسار الصحيح؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للترفيه أو تحسين محركات البحث، بل أضحى فاعلاً استراتيجياً قادراً على إعادة تعريف مفهوم السيادة والحوكمة. إليك نظرة تحليلية حول إمكانيات هذه التكنولوجيا في إنقاذ الدول المأزومة:
1. استئصال "سرطان" الفساد
تعد الرشوة والمحسوبية وهدر المال العام السمة الأبرز للدول المتعثرة. هنا، يعمل الذكاء الاصطناعي كـ "مراقب رقمي" لا ينام:
* تحليل البيانات الضخمة: يمكن للأنظمة الذكية مراقبة المشتريات الحكومية والعقود العامة لحظياً، وكشف الأنماط المشبوهة أو تكرار الموردين بشكل غير مبرر.
* الشفافية المطلقة: من خلال أتمتة الخدمات الحكومية (الحكومة الإلكترونية)، يتم تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، مما يغلق منافذ الابتزاز والرشوة.
2. الإدارة الرشيدة في غياب الكفاءة البشرية
غالبًا ما تعاني الدول الفاشلة من "هجرة العقول" ونقص الخبرات الإدارية.
* سد فجوة الكفاءة: يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، حتى في ظل نقص الكادر البشري المتخصص.
* تحسين تخصيص الموارد: تستطيع الخوارزميات التنبؤ بمناطق الاحتياج الأكبر للمساعدات أو الخدمات الأساسية، مما يضمن وصول الدعم لمستحقيه بعيداً عن التوزيع العشوائي أو السياسي.
3. التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها
في الدول الهشة، تندلع الصراعات غالباً بسبب ندرة الموارد أو الاحتقان الاجتماعي.
* الإنذار المبكر: تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم لتحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات التواصل الاجتماعي للتنبؤ ببؤر الصراع أو النزوح قبل تفاقمها، مما يمنح السلطات (أو المنظمات الدولية) فرصة للتدخل الاستباقي.
* إدارة الاقتصاد: يساعد الذكاء الاصطناعي في مكافحة التهرب الضريبي وجمع البيانات المالية الدقيقة، مما يساهم في بناء ميزانيات واقعية تساعد على التعافي الاقتصادي.
4. هل الذكاء الاصطناعي "عصا سحرية"؟ (التحديات)
رغم الفرص الواعدة، تواجه الدول المتعثرة عقبات تجعل تطبيق هذه الحلول معقداً:
* البنية التحتية: الذكاء الاصطناعي يتطلب كهرباء مستقرة وإنترنت فائق السرعة، وهو ما تفتقر إليه هذه الدول.
* الانحياز الرقمي: إذا كانت البيانات المدخلة للنظام "ملوثة" بفساد سابق أو انحيازات عرقية، فإن النتائج ستكون تعزيزاً للظلم القائم بدلاً من إصلاحه.
* الإرادة السياسية: التقنية وحدها لا تكفي؛ إذ يتطلب الأمر سلطة ترغب فعلياً في التغيير، لأن الذكاء الاصطناعي قد يُستخدم أيضاً كأداة "للقمع الذكي" والمراقبة الجماعية.
الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الدولة، ولكنه "محفز" قوي للإصلاح. في عام 2026، لم يعد السؤال هو "هل يستطيع؟" بل "هل ستسمح الأنظمة القائمة لهذه التكنولوجيا بانتزاع صلاحياتها لصالح الشفافية والكفاءة؟".